الأديب محمد بن حميد (مسافات ضوء لا يمحوها الموت )

د.عبدالرحمن بن حسن المحسني *

 

الأديب محمد بن حميد  ( مسافات ضوء لا يمحوها الموت )

“دلفت إلى مكتبة ، وأنا غر لا أعلم من أمر الثقافة ومشكلاتها شيئًا، فاستقبلني بعبارته المشهورة (أهلاً بالحبيب)، حاولت أن أعرّفه بنفسي، فلم ينتظر حتى أخبرني أنه يعرفني من خلال نتف من مقالات لا تُذكر، كنت أنشرها في الأربعاء”.
قدم لي ما أدهشني من الترحاب والإكرام، وطلب إليّ أن أكون عضوا في أنشطة نادي أبها الأدبي..خرجت وأنا في كامل الدهشة من أخلاق هذا الرجل الذي لم أره إلا هذه المرة، وكأنه يعرفني من سنين!
شدني ذلك اللقاء بقوته إلى الانخراط في أنشطة الثقافة وفعالياتها، حتى أصبحت جزءا من همي، بل شجعني الموقف فيما بعد أن أطبع ديواني الأول (رموش العاصفة) في النادي..

– النبل والخلق القويم هو الذي لا تغيره الظروف والأحداث. وهذا الرجل هو ذاك.. لم أجده على كثرة ما زرته في مكتبه متعبس الجبين حين يلتقيك!.. وتلك صفة لا يجيدها إلا النبلاء الذين يتجاوزون آصار الحياة ، التي تمر بالإنسان بطبعه ، ليطلوها بأخلاقه حين يراك.

 – كانت رؤيته الثقافية مدهشة حقا.. تقوم على استيعاب خلاق لكل الأطياف الثقافية..وعلى عهده الزاهر في نادي أبها الأدبي كنت ترى كل الأطياف الفكريّة على منبر النادي ، ترى الحداثة في بعدها القصي، وترى تيار الأصالة في أقصى مدى له. يستقبل السريحي في عمق قلق الحداثة، ويطبع لأحمد فرح عقيلان كتابه(جناية الحداثة). ويجمع بين الأقطاب المتناقضة على مسرح النادي.. يُحدث هذا كأنه يميل له، وذاك كأنه معه.. وهو يمتلك رؤيته الخاصة التي يقدرها الجميع!.
شيء واحد يقف ضده بكل وجهته هو المساس بأمن الوطن. والمرة  -ربما الوحيدة-  التي تحيز بكل قوته ضد رؤيتها الثقافية هو كتاب كمال الصليبي وفكرته ؛ ربما، لأنه أحس بالغاية كما تراها بصيرته !

– حين تنحى عن النادي كتبت مقالا في ملحق الأربعاء الثقافي ، أعجبه محتواه في الجملة، لكنه لم يوافق على بعض ما جاء فيه، فرد في ذات الصحيفة رد الأديب الذي جلى الحقيقة.. وأبدى اعترافا بغاية الكاتب ،حين تخير عنوانه !. فلقد كنت، وما زلت، أرى أنه يستحق من تقدير النادي ما يفوق ما ودع به  !.

https://www.al-madina.com/article/120555/

 

– حين طلبت إليه أن يحضر في مركز (قنا عسير) ليدشن فيها ملتقى قنا الثقافي الأول .. وافق على الفور، رغم صعوبة الطريق الذي يبعد عن مدينة أبها مسافة قصر ..وكانت فرصة أن يشرف به المكان ويقدم له بعض ما يستحق ..وصحبته نزولا وصعودا فرأيت من حسن الرفقة ما يمتع ..

https://www.spa.gov.sa/viewstory.php?lang=ar&newsid=408186

 

– الموت هو النهاية الحتمية الطبعية “كل من عليها فان”، لكنك حين تجد بعد الموت احتشاد المحزونين من حولك، وحين تتحول لحظة موتك إلى حياة ثقافية جديدة ، تبدت في حضور قمة الهرم السياسي والاجتماعي في منطقة عسير لتوديعه، كما تبدى ذلك جليا في تلقي مواقع التواصل الاجتماعي لحدث وفاته ،عندها فقط تعرف أن الإنسانية الثقافية لا تمت دائما بموت الأشخاص، فليس موتهم سوى حياة جديدة من خلود لا يدركه الفناء.
“فارفع لنفسك بعد موتك ذِكرها، فالذِكرُ للإنسان .. عُمرٌ ثاني “

 


*مدير مركز البحوث والدراسات الاجتماعية، جامعة الملك خالد

*نائب رئيس اتحاد كتاب الإنترنت العرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *