حواريَّةٌ مع (امرئِ القيس)

جاسم الصحيح *

‏عَرَفْتُكَ من صهيلِكَ في خيالي

‏فـقِفْ لـنُضِيءَ مصباحَ الجدالِ

‏أَنِخْ كلَّ القصائدِ؛ ثُمَّ هَيِّئْ

‏لنا يا (صاحِ) مائدةَ السِّجالِ

‏هناكَ سـنستريحُ على (عسيبٍ)

‏من الرُّؤيا، ونسرحُ في الأعالي

‏ونمزجُ من خواطرِنا حكايا

‏بـنهكةِ قهوةٍ ومزاجِ هالِ

‏وما بيني وبينكَ ألفُ ظِلٍّ

‏فـرَافِقْني بمملكةِ الظِّلالِ

‏نُطَيِّرُ هُدهُدًا في كلِّ عَصرٍ

‏ليَأْتِيَنا بأنباءِ الجَمالِ

‏لنا (ضادٌ) نُطَبِّبُها ونحنو

‏عليها في خريفِ الاكتهالِ

‏سينقرضُ (الهُنُودُ السُّمْرُ) ما لمْ-

‏تَعُدْ لجلالِها لغةُ الجلالِ!

‏********

‏غريبانِ الْتَبَسْنَا في المرايا

‏إلى حَدِّ انبعاثِكَ من خِلالي

‏خُطايَ صدَى خُطاكَ وإنْ تناءى الـ-

‏ـمَدَى بين ارتحالِكَ وارتحالي

‏جناسٌ ناقصُ الأركانِ بيني

‏وبينكَ، حالمٌ بالاكتمالِ

‏نهاجرُ والدَّمُ البدويُّ يغلي

‏بِـنا، وكأنَّهُ شِعرُ ارتجالِ!

‏وتنبو حِيلَةُ العَرَّافِ عَنَّا

‏فيُخطِئُ في التَّنَبُّؤِ بالمـَآلِ

‏أعارتنا الغضَى هضباتُ (نجدٍ)

‏مواقدَ للعَشِيَّاتِ الطِّوالِ

‏ومِنْ (رَيَّا القَرَنْفُلِ) ضَمَّخَتْنَا

‏نُسَيماتُ (الصَّبا) ذاتَ انثيالِ

‏نُضِيءُ فتَستَضِيءُ بنا (الثُّرَيَّا)

‏ويستهدي بنا (نجمُ الشمالِ)

‏ونصطادُ الرؤوسَ بكلِّ سهمٍ

‏رَمَاهُ (البُنُّ) من قوسِ (الدِّلالِ)

‏قصائدُنا السِّلالُ وما حَمَلْنَا

‏سوى الأوطانِ في تلك السِّلالِ

‏على أرضِ (الحجازِ) لنا مجازٌ

‏كَشَفْنَا فيهِ أسرارَ الأعالي

‏وفي أرضِ (اليمامةِ) نَمَّ عَنَّا

‏يمامُ (الوَشْمِ) بالنَّغَمِ الزُّلالِ

‏إذا أَمْلَتْ علينا الرِّيحُ عِطرًا

‏قَـرَأْنَا (الشِّيحَ) في تلك الأَمالي

‏نَبَتْنَا في برارينا (أَرَاكًا)

‏تلوحُ عليهِ سيماءُ الرجالِ

‏فلا طابتْ مساوكُنا إذا لمْ-

‏يُطَيِّبْ عُودَها طيبُ الخِصالِ!

‏نُحِبُّ؟! بلى نُحِبُّ؛ وكَمْ جُرِحْنَا

‏بـهَمسِ (عباءةٍ) ورفيفِ (شالِ)!

‏وأطولُ ما يَظَلُّ الحُبُّ حَيًّا 

‏إذا ما جاءَ في شَكْلِ اغْتِيَالِ!

‏*********

‏غريبانِ الْتَبَسْنَا في لقاءٍ

‏أثيريٍّ، بـ(ـمُنعَرَجِ) الخَيالِ

‏كِلانا في سوادِ الوقتِ أَلفَى

‏مَجَرَّةَ عُمْرِهِ ذاتَ اخْتِلالِ

‏كنانتُكَ القديمةُ أَورَثَتْنِي

‏من الأحلامِ مشروخَ النِّبالِ

‏ولم تصنعْ بنا الرَّغباتُ إلَّا

‏كواكبَ آيِلَاتٍ للزَّوالِ

‏فإنْ تَكُ للهوى جُرحًا فإنِّي

‏أُصالي من نُدُوبِكَ ما أُصالي

‏أراوغُ صحوةَ الكهنوتِ حولي

‏وما حَشَدَ الولاةُ من السَّعالي

‏وما بين (الدَّخولِ) وبين قلبي

‏بكى كلُّ المـُحِبِّينَ الأوالي

‏أنا (تغريبةٌ) في كلِّ حُزنٍ

‏يُراوِدُني بصومعةِ اعتزالي

‏فما بعد (الجزيرةِ) من مكانٍ

‏يطيبُ هواؤُهُ لـ(ـبني هلالِ)!

‏تشابهتِ القوافلُ والقوافي

‏فما جُمَلِي بها إلا جِمالي

‏وما (الأَلِفُ) الذي يمتدُّ زَهوًا

‏سوى ثوبي، و(هَمْزَتُهُ) (عِقالـ)ـي

‏فخُذْنِي يا سنامَ الشِّعرِ..خُذْنِي

‏(مُعَلَّقَةً) من الشَّجَنِ المـُغالي

‏كِلَانَا مَحْضُ كبريتٍ وزَيتٍ

‏فعَانِقْني اشتعالاً باشتعالِ

‏أُعِيذُكَ من عناقٍ في مداهُ

‏تميلُ على حبيبٍ عنكَ سالِ!

‏لنا النَّزَوَاتُ خضراء التَّمَنِّي

‏لنا الخَلَوَاتُ حمراء الفِعَالِ

‏مَثُلْنَا في الزمانِ وما امْتَثَلْنَا..

‏وما أشقَى المـُثُولَ بلا امتثالِ!

‏تُفَرِّقُنَا السنابلُ في الليالي

‏وتجمعُنا المناجلُ في الغِلالِ

‏وتستبقُ العصورُ لنا إذا ما

‏أَشَرْنَا يا قصائدَنا: (تَعَالِي)

‏*********

‏ تَلَفَّتْ يا غريبُ إلى غريبٍ

‏رهينِ الاستعارةِ والمِثَالِ

‏وحَدِّثْني عن (الضِّلِّيلِ): ماذا

‏أصابَ من الضَّلالاتِ الغوَالي؟!

‏وماذا غيرَ أسرارِ القوافي

‏تُخَبِّئُ من كنوزِكَ في الرِّحالِ؟!

‏وكيفَ مشيئةُ الشُّعراءِ تكبو

‏وتعلقُ بين أشراكِ المـُحالِ؟!..

‏دنا منِّي، وشَمَّرَ عن كلامٍ

‏تَبَعْثَرَ بين نَوْبَاتِ السُّعالِ

‏وشَفَّ عن الحقيقةِ عبرَ وجهٍ

‏هزيلٍ مثل وجهِ الاحتمالِ…

‏دنا منِّي وحين اسْتَدْرَجَتْنَا

‏مشاعرُنا إلى النجوى.. دنا لي!

‏وأَجْهَشَ خلفَ (جُبَّتِـ)ـهِ فـفَاضَتْ

‏بِـ(ـسُمِّ) الغَدْرِ، وانْكَشَفَتْ حِيالي!

‏فـقُلْتُ لهُ: اتَّئِدْ.. ما ثَمَّ عصرٌ

‏نجا من داءِ (قيصرِهِ) العُضالِ

‏ومُدَّ إليَّ سَمْعَكَ مثلَ كأسٍ

‏لِيَسْكُبَ ماءَ جَرَّتِهِ سُؤَالي:

‏لماذا بعدَ تَرْشَافِ العَذَارَى

‏تَرَشَّفْتَ الدماءَ ولم تُبَالِ؟!

‏ويا قمرَ العروبةِ كيف أَلْقَتْ

‏بِـكَ الأيَّامُ من أَلَقِ التَّعالي؟!

‏وكيفَ ضَلَلْتَ نحو (الرُّومِ) دربًا

‏وأرشدتَ الملوكَ إلى الضَّلالِ؟!

‏كأنَّكَ قد رسمتَ طريقَ (روما)

‏لِأصحابِ الجلالةِ والمعالي!

‏لُعِنْتَ! أتَبتغي في الأرضِ مُلْكًا؟

‏وبين يديكَ مملكةُ الجَمالِ!

‏‏********

‏أخا العَرَبِ الخوالي.. عِمْ بكاءً

‏وتَعْزِيَةً على العَرَبِ التَّوالي

‏فمنذُ (قِفا…) وما زلنا وقوفًا

‏على قَدَمَيْ بكاءٍ وابتهالِ

‏لنا في كلِّ قافيةٍ (حصانٌ)

‏يُدَرِّبُ (أَيطَلَيهِ) على الهُزالِ

‏(حصانٌ) ما تَبَقَّى منهُ إلَّا  

‏(مِفَرٌّ.. مُدبِرٌ) يوم النزالِ

‏وما في الوقتِ (أَمْرٌ) بعد (خمرٍ)..

‏لقد تَعِبَ النضالُ من النضالِ!

‏قطيعُ همومِنا ما زالَ يجتـرُّ-

‏ذاتَ الإِثْلِ في المرعَى الوَبالِ

‏ولَيْلُكَ ليلُنا الأبديُّ أَلقَى

‏هواجسَهُ على كلِّ الليالي

‏وتلكَ (الجُبَّةُ) الأُولى دليلٌ

‏على غَدْرِ الأواخرِ والأَوَالي

‏********

‏تعالَ معي إلى غَزَلٍ شجيٍّ

‏يُخَفِّفُ وطأةَ الحِقَبِ الثِّقالِ

‏نخطُّ إلى كمالِ الأُنسِ دربًا

‏يسيرُ بنا إلى أُنسِ الكمالِ

‏سـتخبو (النارُ) ثانيةً وينجو

‏(خليلُ) الحُبِّ من حقدِ (السَّحالي)

‏وتنقدحُ البروقُ لنا، ويهمي

‏علينا سلسبيلُ البرتقالِ

‏تعالَ.. نُهدهد القَلَقَ المـُكَنَّى

‏ونَرفَعُهُ خفيفَ البالِ عالي

‏تعالَ.. نعيدُ رسمَ الليلِ (بحرًا)

‏ونصنعُ من هواجسِنا لَآلي

‏وضَعْ ما في يمينِكَ من حنانٍ

‏على النبضِ المـُرَابِطِ في شمالي

‏كِلانا العاشقُ الضِّلِّيلُ لكنْ

‏لَكَ القمرُ المنيرُ ولي هلالي

‏******** 

‏خَبَالًا يا (امْرَأَ القيسِ) انْعَطِفْ بي

‏لِـ(ـدارةِ جُلجُلٍ) أحيا خَبَالي

‏وشَاطِرْنِي هنالكَ ما تَبَقَّى

‏بإبريقِ المـَسَـرَّةِ من ثُمَالِ

‏وعَبِّئْ كأسَ فَألِكَ؛ ثُمَّ دَعْنِي

‏على عَجَلٍ أُعَبِّئُ كأسَ فالي

‏سـريعًا هذهِ الأعمارُ تذوي..

‏سـريعًا مِثلَ وَردِ الاحتفالِ!

‏لنا عَبَثٌ مع الدُّنيا، فـلَسْنَا

‏بـمُنتَجَعِ الحياةِ سوى (عِيالِ)

‏حلفتُ بـ(ـنُونِ نِسوَتِكَ) اللواتي

‏قضمنَ حقولَ قلبِكَ بالمِطالِ

‏وداليةٍ سكرتَ بها، ولَمَّا

‏أفقتَ أدرتَ ظَهْرَكَ للدَّوالي

‏وما لكَ في الهوى من عنفوانٍ

‏وما للعنفوانِ من الجلالِ…

‏حلفتُ بأنَّ جَمْرَكَ لم يُبَارِحْ

‏مواقدَهُ بـأَضْلُعِيَ الصِّقالِ

‏فعُدْ؛ نحتلّ أحلامَ الصبايا

‏ونُلْقِيهِنَّ في أشهىَ احتلالِ

‏لنا في العشقِ أسلحةٌ كثارٌ

‏وأجملُها سلاحُ الاحتيالِ

‏أُحِسُّ (غديرَكَ) النشوانَ يجري

‏بأعماقي أَشَفَّ من الزُّلالِ

‏وثَمَّةَ من صبايا الماءِ سِربٌ

‏يَحُوطُكَ في مباهجِ كرنفالِ

‏غَسَلْتَ على (الغديرِ) قميصَ حُبٍّ

‏فعَلَّقْتَ النساءَ على الحِبالِ

‏تهبُّ عليكَ عاصفةُ الأماني

‏وقلبُكَ في الفلا قلبُ الغزالِ

‏وأنتَ غوايةٌ فُصحى أذابتْ

‏من الصحراءِ أحشاءَ التِّلالِ

‏وأَوَّلُ مَنْ أعارَ (الضَّادَ) كُحْلًا

‏وأَلْهَمَهَا طقوسَ الاكتحالِ

‏تُسَخِّنُ بالصبابةِ كلَّ تَلٍّ

‏فـتندلقُ السخونةُ في الرِّمالِ

‏غزوتَ أَسِرَّةَ الشُّرَفَاءِ حُلْمًا

‏فلم تتركْ سريرًا منكَ خالي

‏وأكبرتَ القصيدةَ أنْ تراها

 ‏تُرَتِّبُ شهوةَ العشقِ الحَلَالِ

‏تَمُرُّ بكَ الخواطرُ وَهْيَ ظمأى

‏فـتسقيهنَّ بالغَزَلِ المـُسَالِ

‏ولم تَزِنِ القصائدَ قَطُّ إلا

‏على وَقْعِ الخلاخلِ والحِجَالِ

‏كأنَّ  بـكلِّ (بيتٍ) خطوَ أنثى

‏تُضيفُ إليهِ قافيةَ الدَّلالِ

‏وعُنْقُكَ بين أعناقِ القوافي

‏تطاردُهُ الصوارمُ والعوالي

‏عَزَفْتَ هناكَ إيقاعَ التَّصابي

‏على وَتَرٍ، وإيقاعَ القتالِ

‏فأينَ وجدتَ طَعْمَ العزفِ أحلى

‏بمُعْتَرَكِ الوصالِ أَمِ النِّصالِ؟!

‏*******

‏أراني حين أسمعُ ما أذاعتْ

‏رياحُكَ من قصائدِها الطِّوالِ

‏أراني بين قافيةٍ وأخرى

‏أكابدُ فيكَ (حالاً) بعدَ (حالِ)

‏تَدُسُّ أصابعَ الهذيانِ ما بينَ-

‏أحلامي، وتعبثُ في خيالي

‏وأشقَى كلَّما روحي أفاقتْ

‏على (أمواجِ بَحرِكَ) في (انسدالِ)

‏تجوسُ خيولُ شِعرِكَ في ضلوعي

‏وتَصْدُرُ عن نتوءاتِ الجِبالِ

‏وخمرةُ أبجديَّتِكَ اسْتَدَارَتْ

‏بـنَشْوَتِها الطَّروبِ على قَذَالي

‏وغزلانُ انفعالِكَ حيثُ هاجتْ

‏تكادُ تهيجُ غزلانُ انفعالي

‏ونكهةُ خمرِكَ الدَّهْرِيِّ تسري

‏من الكلماتِ حتَّى صَفْوِ بالي

‏كفاني من دِنَانِكَ أنْ تُصَفِّي

‏بياضَ العُمْرِ في سُودِ الليالي

* شاعر سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *