لغة النجوم

بقلم: سمير عالم*

كثيراً ما تتردد عبارات أن هناك فجوة ما، بين المثقف وعامة الناس، ومن يطلق تلك العبارة يطلقها من باب التهكم على المثقفين، بوصفهم أناس يسكنون في أبراج عالية ولا ينزلون عنها إلى مستوى الطبقات الأخرى، ليسهل فهمهم.

حقيقة من وجهة نظري أرى أن المشهد من الأعلى دائما ما يكون أشمل وأوضح للمساحة التي ننظر إليها ونرغب في مراقبتها، لفهم ما تبدو عليه بشكل أفضل.

فالمخالطة والتماهي مع حدث ما أو مع جماعة ما، قد يمنحنا رؤية من العمق، ولكنه قد يبتلعنا ويجعلنا جزءاً من نفس المشهد، وغير قادرين على تكوين الصورة الكاملة التي نسعى للحصول عليها.

هناك رأي يقول بأن الكتاب والفلاسفة ومن يمكن وصفهم بالمثقفين، هم من يمثلون الشرارة الأولى في أي مجتمع لانطلاقه نحو التطور والتحديث، فهم من يمكنهم فهم المجتمعات وتلمس نقاط الخلل فيها، وبالتالي وضع الوصفة العلاجية المناسبة، إضافة إلى ما قد يمثلونه من رمزية ملهمة للآخرين بأفكارهم وقيمهم الثابتة والمحفزة.

تعد فلسفات كونفوشيوس هي الفلسفة التي شكلت ثقافة ووعي شعوب جنوب شرق آسيا والصين على وجه التحديد على مدى ما يقارب العشرين قرنا الماضية، نظرا لما تضمنته من حكمة وأفكار معتدلة، تسعى للارتقاء والسمو بالفرد، ومن يعود إلى تاريخ الكونفوشيوسية سيكتشف أن أفكاره قد قوبلت بالرفض وأن الكتب التي تحوي حكمه وفلسفاته حرقت وصودرت، ولكنها تفوقت في النهاية لأنها تمثل المنطق والحقيقة.

وهل يمكننا اعتبار ما كان يلجأ إليه نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- من الاعتزال في غار حراء نوعا من التعالي! بالطبع لا، بل هي كانت رغبة للنأي بالذات عما قد يلوث نقاء وسمو نفسه التي كان يتمتع بها نبينا حتى قبل أن ينزل عليه الوحي.

قد تشكل مسألة مطالبة من يجلسون بالأعلى ويمدون أيديهم لمن هم بالأسفل لانتشالهم من الجهل، وحثهم للنزول عن أبراجهم فكرة في غاية السذاجة، ونفس الوصف ينطبق على من يطالبون بتبسيط اللغة المستخدمة ليسهل فهمها، فمن ارتقى في درجات الحكمة والمعرفة لن يستسيغ مجدداً التواجد في وحل الجهالة.

منذ القدم والإنسان يتطلع بنظره نحو النجوم ويحلم ببلوغها وملامستها، وكذلك هي الحكمة التي لا يليق بها إلا أن تكون في الأعلى.

كاتب سعودي*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *