التأويل وتكفير الفلاسفة

بقلم: علي بدوي الشهري*

لطالما كان هناك عبر التاريخ الإنساني خلاف بين الفلسفة والدين أو ما بين العقل والوحي، حتى أتى ابن رشد تحديداً في مقالنا هذا لينقذ الفلسفة ويرد على الإمام الغزالي وغيره مدافعاً عن الفلسفة بالدين وليثبت خطأ من قال بكفر الحكمة.

يُعرف ابن رشد الفلسفة على أنها منهج معرفي نستطيع من خلاله الوصول إلى معرفة الخالق من المخلوقات، وفي تعريف آخر للفلسفة حيث يقول بأنها الوسيلة التي تساعد الإنسان على إعمال العقل بالنظر لكل الأشياء من حوله للوصول للحق، فهل هذا يتعارض مع الشرع أم يتوافق معه؟!

قال تعالى:(فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)، وقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ۖ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ)، وقوله تعالى:(الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)، وقوله تعالى: (أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ)، والكثير من الآيات التي تدعو الإنسان صراحة إلى النظر من حوله والتفكر في هذا الكون وهذه المخلوقات بغية الوصول إلى السبب الذي من وراءها والذي هو الله تعالى.

إذن وبحسب ابن رشد فالقرآن يدعو الإنسان إلى عدم اعتماد الإنسان على الوحي (النص)، وإنما على محاولة الوصول للحقيقة اعتمادا على عقله وتفكيره الذي منحه الله إياه.

ماذا يا ابن رشد لو تعارضت النتيجة والحقيقة العقلية مع النص الديني وكيف نعرف أين الحق؟!

فبحسب ابن رشد: لا يمكن أن يكون هناك تعارض، لأن الحقيقة واحدة، لكن وإن حصل هناك تعارض بين الحقيقة والنص فلا بد أن في هذا النص معنى آخر غير الذي عرفناه أو فهمناه، لذلك وجب تأويله ليتوافق مع العقل.

فهناك في كتابنا الكريم آيات محكمات وأُخر متشابهات( ظاهر وباطن )؛ لذلك وجب التأويل لرفع تناقض ما أو لكي تتفق بعض الآيات مع مبدأ العقل.

فما الحكمة من وجود معنى ظاهر ومعنى باطن للنص القرآني؟!

وكما يرى ابن رشد فالسبب وراء ذلك هو تفاوت مستوى الإدراك والفهم لدى الناس حيث إنهم ينقسمون لثلاثة أقسام (خاطب الله الناس على قدر عقولهم):

القسم الأول وهو عامة الناس(الأغلبية) وهؤلاء يأخذون عادة بظاهر النص، فتصديقهم أوإيمانهم يأتي من خلال غرائزهم أو إثارة مشاعرهم أو انفعالاتهم النفسية والعاطفية كالترغيب والترهيب والحور العين وأنهار اللبن والخمر وغيره، وهؤلاء أدلتهم عادة أدلة خطابية لا يُعتد بها ولا يحق لهم التأويل، والقسم الثاني وهم أهل الكلام(الجدليون) أو الناس المؤدلجة مذهبياً أو فكرياً، وهؤلاء أدلتهم لا تستوفي شروط قبولها لأنها بأغلبها جدلية تحاول إثبات المسلمات التي ينطلقون منها، ثم يأتي القسم الثالث وهم الفلاسفة والحكماء وهؤلاء من يصدقون بالأدلة العقلية وحدها، وهؤلاء وحدهم من يستطيعون الوصول لباطن المعنى وهم فقط أحق بالتأويل.

وبحسب ابن رشد فوجود معنى ظاهر ومعنى باطن لا يعني وجود حقيقتين وإنما الحقيقة واحدة وما الاختلاف إلا بطريقة التعبير عنها (طريقة تعبير للعوام)و(طريقة تعبير للخواص).

ولكي تكون عملية التأويل موصلة للغاية منها(موائمة الحقيقة العقلية مع الحقيقة الدينية)فقد وضع ابن رشد لهذه الغاية عدة قواعد أهمها:

١- تحديد النصوص التي يجب أو لا يجب عليها التأويل.

(عدم تأويل ما اتفق الجميع على الأخذ بظاهره) (عدم تأويل الآيات التي تتحدث عن أمور لا يستطيع العقل الخوض فيها).

٢- تحديد من له الأحقية بالتأويل.

٣- تحديد من مسموح له أن يطلع على نتائج التأويل.

أخيراً نستطيع الآن فهم لماذا ابن رشد لام الإمام الغزالي على كشفه بعض الحقائق المستترة والتأويلات للعامة، لأن عدم استطاعة العامة فهم وإدراك الباطن من القول قد يؤدي بهم للانحراف أو الكفر، ولإن إبطال الظاهر عند من لا يستطيع فهم الباطن تشتيت وتشكيك له وهذا ما أدى بهم لتكفير الفلاسفة ووصمهم لهم بالزندقة والإلحاد.

كاتب وشاعر سعودي*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *