ذات الأسماء المتكاثرة

 

د. عبدالله الطيب*

الفن القصصي متغير في شروطه وفنه. من المعلومات العامة أن القصة الومضة تعتمد على الإختصار الشديد، لكنها مع ذلك يجب أن تحتوي على شخصيات وحبكة قصصية تتطور عبر النص وعقدة وحل، ولصغر النص ربما يلمح اليها، أو تكون من الأشياء المبطنة في النص، ويستنتجها القاريء.

هنالك عدة مسميات شائعة في العالم، منها توترتشر (twitterature) مأخوذة من كلمتي تويتر ولتراتشر أو أدب، وكما هو واضح حدها هو مايسمح به تويتر. هنالك مايسمي (دربل أو القصة القطرة) وهي غالبا تحتوي على حوالي 50 كلمة. هنالك (مايكروفكشن) وهي قصة قصيرة من 100 الى 400 كلمة. هنالك ما يدعى (شورت شورت ستوري) أو (اميديت فكشن) وغالبا كلماتها من 500 الى 750 كلمة. ليت الأمر يقف عند هذه الأسماء المتعددة، بل هناك المزيد، مثل (كويك فكشن، سدن فكشن، فاست فكشن، فيوريس فكشن، بوستكارد فكشن، نابكن فكشن)، قصص بحجم الجيب، قصص بحجم الكف، قصة الدقيقة، قصص نحيلة، …..، ولا أعلم إن كان هناك نهاية لهذه الأسماء!! لحسن الحظ، كل تلك الأسماء تندرج تحت مسمى واحد شائع، وهو flash fiction او القصة الومضة ، وأصبح جنس من أجناس القصة، والمتعارف أن أقصى مدى له هو حوالي 1000 كلمة.

هناك تباين ظاهر بين الأسماء وعدد الكلمات اعتمادا على الكاتب أو الناشر، لكن الفارق الوحيد المشهور هو عدد كلمات النص، لاغير. والكثير من المصادر يذكر أن هذا النوع من القص يساعد الكاتب على تحسين أدواته، استعدادا لكتابة النص الأطول.

وهو فن قديم جدا كما تقول المصادر، لكن في أمريكا ترجع اصوله إلى القرن التاسع عشر. غير أن تسمية فلاش فكشن أو الومضة كجنس من أجناس القصة نشأ في التسعينيات من القرن الماضي. أذكر هنا قصة شهيرة في هذا الجنس من القص، اشتهرت بقصة الست كلمات. هذه القصة تنسب الى ارنست همنقواي. القصة كما يلي:

For sale: baby shoes, never worn.

للبيع: حذاء طفل، غير مستعمل

هذه القصة وراءها قصة تقول أن آرنست كان في مطعم مع أصدقائه، دخلوا في نقاش تطور إلى تحد أنه يستطيع أن يكتب قصة كاملة من 6 كلمات. ثم خلال دقائق، كتب على منديل المطعم هذه القصة. آرنست زعم أن هذه القصة مستوفية لجميع الشروط والمتطلبات، وبذلك فاز بالرهان وهو فقط عشرة دولارات أمريكية. طبعا الرواية تقول ان هذه القصة التي نسبت الى آرنست تعتمد على حادثة حقيقية وقعت لعائلة، فقدت طفلها فباعت ثيابه. من هذا السياق نستطيع فهم المغزى والمعنى المبطن في قصة آرنست همنقواي.

كقاريء عادي، حين أقرأ هذا النص ذا الست كلمات، أو خمس كلمات في نسخته العربية، ربما لا أصل الى الدراما خلفه كما أرادها همنقواي، ففي عصرنا هذا هنالك الآلاف من الإعلانات عن أشياء جديدة غير مستعملة للبيع، وليس من الضرورة أن تكون خلفها دراما، مثل موت طفل! لكن القصة على كل حال محفزة للتفكير في معناها، هل هو درامي أو فكاهي مثلا (الحذاء كبير على الطفل). وتعتبر مثال لأقل حد ممكن أن تبلغه القصة من حيث عدد الكلمات!

مرورا على عشرات المواقع الأجنبية التي تنشر فلاش فكشن، نجد أن الكثير منها يحتوي على قصص قصيرة، في معاييرنا العربية، عدد كلماتها يزيد على 300 كلمة. والملاحظ ان القصص القصيرة جدا (100 كلمة وأقل) تستخدم كثيرا في المسابقات لشحذ همم الكتاب والطلاب لإطلاق افضل ماعندهم وتعويدهم على تكثيف أفكارهم وبلورتها بوضوح وإيجاز. النغمة السائدة في القصص المكتوبة باللغة الإنجليزية هو وضوح الفكرة، حيث لا تلاعب بالألفاظ ولا استعراض لموهبة شعرية لغوية. الإستعراض هو في الحدث ذاته وكيفية طرحه. نستعرض هنا نصين خفيفين، تمت ترجمتهم من مواقع إلكترونية،  توضح بعض أساليب القصة القصيرة جدا الأجنبية.

“خطوات”
“قصة بات كروس”

أبواب القطار أغلقت خلفها، ترتجف يداها وهما تضمان الزهور إلى صدرها في مشي بطيء الى حياتها الجديدة، بعينين حزينتين. سقطت الزهور من يدها، بينما رفعت عينيها متعجبة: من هو؟
 
“جراحة تعقيم بيتر السرية”
“قصة ماري شيهان”

بيتر كان محظوظا لأنه لم يرث من والده مرضه، لكن إن أنجب هو فقد يتعرض طفله لذلك المرض الوراثي. قرر أنه لن يسمح بذلك أبدا.
– إنها لن تكون مؤلمة.
وعده الدكتور بذلك قبل العملية، لكنها بالفعل آلمته! فكر أنه يستحق ذلك لأنه لم يخبر زوجته، كلارا، بالأمر، مع علمه أنها ترغب بشدة في إنجاب طفل منه.
بعد حوالي سنة، جاءته كلارا معلنة:
– أنا حامل!
يبدو أنها كانت تخفي سرا هي الأخرى!

——————
*قاص وروائي ومترجم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *