عالمية عكاظ التاريخي

بقلم: محمد بن ربيع الغامدي*

منذ أقل من عقدين بات لدينا عكاظ تاريخي وعكاظ معاصر، فأما المعاصر فلا جدال حول عالميته في هذا العصر الذي تضافرت فيه وسائل الاتصال جميعا لتجعل من كوكبنا الواسع قرية صغيرة، وتحت هذه الرعاية الفائقة التي حشدت له من الطاقات ما جعل منه علامة ثقافية فارقة تحت شمس الزمان وفوق أديم أرضه.

أما عكاظ التاريخي فإن المعلومات المتوفرة عنه في مصادرنا المحليّة تذهب بنا إلى التعامل معه باعتباره سوقا إقليميا يخص العرب وحدهم، سواء انطلقنا في ذلك الاعتبار من عتبة الاسم أم من تفاصيل الرحلة، فالقواميس قد رأت في التعاكظ جبة خرج منها اسم عكاظ، وكتب التاريخ رأت في مواعيده إرهاصات مبكرة لرحلة الحج إلى مكة.

مصادرنا إذن قد رسمت في مخيالنا التاريخي صورة ضيقة لعكاظ، جعلته سوقا حافلا بمباهج الأدب وفتنة الشعر وصليل موازين البيع، ومع ذلك فإن أذرعته لا تتجاوز بضع قبائل متناثرة حوله أو حتى في امتدادات واسعة من جزيرة العرب، لكن لغات العالم القديم قد أزاحت شيئا من ستائر الغموض عن ذلك السوق العتيد.

في القاموس الأكادي تجد “أكاسو” تحمل معنى السوق وتحمل معنى الجادة وحركة الناس على الجادة، وفي الإغريقية القديمة تجد كلمة” آقورا” تحمل المعنى ذاته بل إن الأخيرة تعني أسواقا كان يرتادها الإغريق لتبادل المنافع الأدبية والاقتصادية بل أن “الـ “phonic يصبها في أذنك “عاكوضا ” فلا يعيها سمعك إلا على أنها عكاظ.

الأكاديون والإغريق أمم قد خلت، قد لا نستصفي من تراث الأكاديين سوى ملحمة جلجامش وبعض أساطير يختلط فيها دينهم بحروبهم، أما الإغريق فهم أهل علم وفلسفة وطب وأدب، وقد تسلطنوا في المسرح حتى كان ديوانهم العتيد مثلما الشعر ديوان العرب الذي تسلطنوا فيه فما الذي يمنع أن يكون عكاظ العرب للعرب ولغيرهم من أمم الأرض؟
وحتى لو قال قائل أن كلمة” عكاظ” هي كلمة قاموسيه، جاءت في قاموس الإنسانية المتداول خلال تلك العصور، المعنى والصوت مشتركان والأحرف مختلفة، فإن هذا دليل ثان على عالمية سوق عكاظ، وفي الحالتين فإن إحياء سوق عكاظ في هذا الزمان هو إحياء لسوق تاريخي عالمي الاستقطاب محلّي الملامح.

كاتب سعودي*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *