الغزل في شعر المرأة العربية المعاصرة

ما حدود الغزل في أدب المرأة العربية المعاصرة وما مداه ؟

بداية يجيبنا حسان الحديثي من المملكة المتحدة :

شخصياً اجد ان السؤال غير مكتمل، أعتقد أن السؤال سيكتمل ويتوضح إذا كان : ماهو حدود الابداع في الغزل في ادب المرأة المعاصرة،  كي نعطي السؤال حقه لان الغاية هي الابداع في الغزل وليس الغزل نفسه. 

اقول: ان الغزل غرض صعب تقاس عليه شاعرية الشعراء وقد عده اهل الادب الميزان الذي يحتكم عنده الشعراء ولن يكون الشاعر شاعرا حتى يبدع في الغزل. 
وتحتاج الشاعرة امرين كي تبدع في الغزل؛  تحتاج الشاعرية وتحتاج الجرأة فلو كتبت اعذب ما يُكتب بلا جرأة تفصح فيها عن مكنوناتها وعواطفها لبقي القول ناقصاً حتى تمتلك الجرأة في الافصاح والبث والشكوى. 
بل لعل المرأة اوفر حظا من الرجل في الغزل لمساحة عاطفتها وصدق احاسيسها وسرعة تأثرها على عكس الرجل الذي منعه ويمنعه توهمُه اسباب الرجولة في ابداء عاطفته وتبيان شعوره
اذ لا حدود في الشعر ولا نهايات فلو تمكنت شاعرة من 
من الابداع ومنعها منه مانع الجرأة في التعبير لجاء شعرها بارداً باهتاً لا يرقى ان يكون شعرا ولكن يجب ان نعلم ان هناك شعرة رقيقة بين الابداع والابتذال ان لم تراعَ هذه الشعرة من قبل الشاعرة وتعلم ما لها وما عليها غالت واسفّت ووقعت في المحظور والامر ذاته بالنسبة للشاعر ولا فرق بينهما البتة.
ولا اظن ان الأديبة محاصرة في مجتمعاتنا العربية ثقافيا ، والحال ذاته قديما وحديثا فقد قرأنا لليلى الاخيليّة قبل ما يزيد على الف عام اعذب الاشعار كذلك ولادة بنت المستكفي في الاندلس وانا اعتقد ان الغبن والتقصير الذي صار لشعر النساء يكمن في رواية اشعارهن وليس في الشعر نفسه، حيث ان جل الشعر النسوي القديم مات واندثر لحرمانه من الرواية فلم يتح للشاعرات رواةُ يسيرون باشعارهن كما اتيح للشعراء الرجال وذلك انها لم تكن حاضرة لمجلس الشعراء ولا لاسواقهم و تجمعاتهم كي يسمع منها الرواة ويحفظوا اشعارهن ويسيروا به بين الناس ، والا ما السبب في اننا لا نستطيع ان نحصي عشر شاعرات في تاريخ الادب العربي بينما نحصي مئات الشعراء؟ 
اما اليوم فلا تحتاج الشاعرة راويةً لشعرها لينتشر فقد تيسر الامر بامكانية حضورها محافل الشعر ووقوفها على المنابر ومنافستها في مسابقاته شأنها شأن الشاعر كما انتفت ايضاً الحاجة للرواة وباتت الطباعة والنشر والظهور الاعلامي اموراً ميسرة لكليهما.
ولهذا نجد الان ظهورا جيدا للشاعرات بل والمنافسة على درحات رفيعة في الشعر ولا يوجد بلد عربي حاليا الا ونستطيع ان نحصي فيه عددا طيباً من اسماء المبدعات. 
اما عن مساحة الحرية في التعبير بين المرأة والرجل في المجتمعات العربية فالفضاء مفتوح للشاعرة كما اسلفت بشرط عدم الاسفاف فالاسفاف امر منكر مكروه في الشعر يقتل الابداع للشعر كله وما يحظر على الشاعر يحظر على الشاعرة. 
بينما ترى الكاتبة والقاصة السعودية كفى عسيري مايلي :
– نتحدث عن أدب . والأدب لا يرتهن لمقياس ومعيار محدد ، ولا يجنس أو يقسم بين امرأة ورجل..
 أرى أن الحدود هي تلك التي رسمت مجتمعيا فلا تسمح لأي منهما سواء كان رجلا أو امراة بانتهاك المعايير  الملحوظة في مجتمع الكاتب واختراق قانونه .. على سبيل المثال يستطيع أن يقرأ قصيدة غزلية أقوى في غرب الأرض ، ولا أستطيع في شرقها الاقتراب من الغزل إلا على استحياء ، وألحظ أنه لم يأخذ مداه بشكل ملحوظ خصوصا على الصعيد المحلي باستثاء الشاعرة الصديقة القديرة هند المطيري ، فهي الأكثر حضورا وكتابة في هذا الغرض.. 
٢. ما المسموح به للمرأة؟
–  في مجتمعنا العربي يسمح لها منبريا ، لكن في الغالب يسقط عليها العمل. فبذلك لا يكون تغير شيئ في الوعي . ولهذا نبقى نناقش قضية المرأة إلى أجل غير مسمى ، وستكرر الأسئلة حولها..
٣.هل الأديبة محاصرة في مجتمعاتنا العربية ثقافيا؟
– نعم هي محاصرة في حالتين: 
عندما تكون ضعيفة ولا تستطيع أن تتخذ لها موقفا نضاليا يضمن لها حقها كإنسان.
الأمر الآخر عندما تكون تابعة وتحت ظل أحد لا مستقلة ولا شجاعة برأيها وقرارها ، وتتحمل نتائج هذه القرارات لوحدها .
٤- هل هناك عدم عدالة في مساحة التعبير بين الرجل والمرأة؟ 
– لا أظن أنها باتت نسبة كبيرة  تستحق الوقوف عندها.
 استطاعت المرأة أن تشكل وعيها وتفرض وجودها بشكل ملحوظ.
ويقول الشاعر السوري عبدالمنعم الجاسم :
للأدب معنيان اثنان ، وعلى المرء ، رجلا كان أو امرأة ، أن يتحلّى بأحد هذين المعنيين ، أعني المعنى الأخلاقي ، فذلك يشترك فيه كل ذي عقل ، وإلا (فإن همُ ذهبت أخلاقهم ، ذهبوا) على حد قول الشاعر ..
والغزل غرض شعري تناوله الشعراء على مرّ العصور ، وأرى أنّهم أسرفوا فيه ، ولولا أن النفس البشريّة جبلت على حب المال ، لما كان شعر المديح أكثر من شعر الغزل الذي وصلنا من العصر العبّاسي تحديدا ، وبالأخص من عباقرة القصيدة آنذاك : أبي تمّام والبحتريّ ، وأبي الطيّب المتنبّي ..
والغزل كما صنّفه المهتمّون بالشعر العربي صنفان : فاحش وعذري . فأمّا الفاحش منه فذاك الذي ينبغي عدم التطرّق له ، حتى يندثر ، إذ ليس من الحياء إلقاؤك قصيدة فاحشة في محفل فيه أمّك أو أختك أو إحدى قريباتك . فإن لم تكن بين الحاضرات إحداهن ، فهنّ أمّ سواك وأخته وابنته .. إلخ 
فالشعر أدب إنساني ورسالة ..
وأما الصنف الثاني فهو الغزل العذري ، وهو مناجاة القلوب للقلوب ، وعليه فإنه ليس حكرا على الرجال دون النساء ، فإنّ للمرأة قلبا كما هو الحال عند الرجل ، بل إنّ المرأة أكثر عاطفة من الرجل ، فإن امتلكت المرأة زمام الشعر ، فلا رادّ لها في بث مشاعرها غزلا ، على أن يكون ذلك في إطار الحياء ، فلقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : الإيمان بضع وستون شعبة ، والحياء شعبة من الإيمان .
وأما محاصرة المرأة الأديبة في مجتمعاتنا العربية بالعادات والتقاليد ، فمعاد ذلك ، لانحسار مفهوم الغزل لدى تلك المجتمعات ، ويبقى ذلك الأمر منوطا بغياب الثقافة لدى بعض المجتمعات ، خاصة المجتمعات القبلية ، التي ما تزال تقرأ أنّ للذكر مثل حظ الأنثيين ، في غير سياقها ، وتظن أنّ المرأة مواطن من الدرجة الثانية ..
أمّا عن حدود الغزل ، فهو كل ما يسمح به الحياء ، وما عدا ذلك فإنه مرفوض للمرأة تماما كما هو مرفوض للرجل ..
فأمّا قلّة الغزل لدى النساء ، وهنّ الأولى به حسب رأيي ، فمعاده أنّ المرأة العربية اقتنعت بما يقال عن خدش الغزل للحياء ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإنها أي المرأة العربيّة ، رضيت بالمساحة التي وهبها إيّاها الرجل العربي ، وكأنّما هي إحدى منحه وعطاياه ، والحقيقة أنّ تلك المساحة التي نتحدث عنها ليست وقفًا على الغزل .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *