(الرقمية اللغوية، ودور الجامعات: الماثل، والأفق المنتظر)

(الرقمية اللغوية، ودور الجامعات: الماثل، والأفق المنتظر)

د.عبد الرحمن بن حسن المحسني

سوق عكاظ/ 12-1/7/2018

(1)

 شهدت الحياة المعاصرة تطورا كبيرا على مستوى بنية المعرفة وأدواتها، وظهرت في ” العقود الأخيرة من القرن العشرين ثورة هائلة في مجال الاتصالات وتكنلوجيا المعلومات المتمثلة في شبكة الإنترنت..وكان لا بد للأديب والكاتب والناقد من الانخراط في هذه المعلوماتية  كي لا يكونوا خارج ركب الحضارة المتقدمة، فظهرت مواقع أدبية لها كتابها ونجومها ورؤساء تحريرها ومراسلوها وغير ذلك، الأمر الذي دفع بالكثير من الكتاب إلى نشر أعمالهم إلكترونيا واستثمار معطيات التكنلوجيا في الأعمال الأدبية”[1]، ونركب عنتاً إذا قلنا إن حياة المبدع المعاصر،ساردا أوشاعرا، وما أحاط به من رفاهية معاصرة لا تؤثر على تكوين نصه ابتداء، ولتأكيد ذلك يحسن بالمتلقي أن يتأمل بيقظة الفروق بين نص شاعر الصحراء العربية قديماً ونص الشاعر المعاصر الذي يعيش حياة التقنية، وأحسب أنه سيجد الفروق الظاهرة بين النصين عطفاً على تباين المؤثرات. وقد تقاطع الأدباء مع التقنية إلى أقصى مدى ممكن، تشهد على ذلك دواوينهم الشعرية وأعمالهم السردية التي تزخر بمعطيات التقنية في موضوعاتها وفي بنائها اللغوي والصوري بما يشكل ظاهرة جديرة بالتوقف والنظر لتقريها وتقديمها كشاهد على العصر وعلى مكوناته المعرفية والثقافية.

  ومن جهة أخرى فإن المتلقي المعاصر قد فرض هو على المبدع استجابات من التلقي؛ فلم تعد المشافهة أو التحرير الكتابي للنص هي مصادر تلقي الأعمال الأدبية عنده، بل فرضت التقنية- التي استجابت لها الأجيال الجديدة بحماس واندفاع- فرضت على المبدع حالات من التلقي أجبرت الشاعر والمبدع معاً أن ينساقا لها قسراً، حيث نجد حضور معطيات التقنية في التجربة بدءاً من الأدوات الحياتية التي يمارسها المبدع بصورة مألوفة كأدوات النقل الحديثة ومعطيات الحياة المتجددة، وصولاً إلى حوامل المعرفة كأشرطة الكاسيت والكمبيوتر بتقنياته المختلفة كوسائط الماسنجر واليوتيوب وغيرها، وكالجوال برسائله القصيرة sms، ورسائل الوسائط المتعددة.

 

 

 وكان قمناً أن تجبر تلك الوسائط الحاضرة الجامعة في أقسامها المتخصصة والنقاد في العموم أن يبحثوا تلك المعطيات الجديدة في هذه الأعمال عبر نوافذ وقنوات من التلقي المختلفة؛ إذ من حق هؤلاء المبدعين أن تُقرأ تجربتهم بمعطياتها الحضارية من خلال مصادرها، وتقيّم وتقدم إلى مشرحة الحق النقدي. وهي مقاربة ليست بالمتيسرة ، إذ تحتاج إلى جهود مضاعفة لوعي التقنية أولاً، ثم مقاربتها من النص ثانياً؛ لتقريها وتقديمها كشاهد على تطور معطيات النص الأدبي في ظل التقنية المعاصرة .

 ومن الطبعي أن النص يسبق النقد والدراسة، وهو يكتب حين يكتب ليكون نصاً، ربما لا تحضر فكرة دراسته أو نقده في ذهن المبدع، لكن النص اللافت يجتذب إليه الدراسة تلو الدراسة، ولا تكاد نفنى عجائبه المبدعة.

 ولتقريب رؤية النص الرقمي الذي نحن بصدده، نوضح هنا  أنه لا يعمل عليه المبدع وحده، ولكنه يمثل عملا عصرياً بعدة معطيات تبدأ من مبدعه شاعرا أو ساردا حيث يضع رؤيته الفكرية الإبداعية لتحتضنها التقنية بكتابة النص عليها وكونه يخضع لتكييفها بسهولة التعديل والتبديل عليه حتى ينشأ خلقا كأنه آخر عن النص المنتج، ثم تعمل من بعد الوسائط عملها في دعم تأثيره على المتلقي من خلال الصورة والصوت،والضوء وغيرها من المؤثرات اللازمة لصناعة النص، وفي تلك المرحلة يبدأ إنتاج النص الذي ربما يشترك فيه غير المبدع من المتخصصين في البرمجة التقنية فترى النص من بعد في زينته من الكلمة التي هي أصله، ثم ما تبعها من صوت وصورة وإضاءة وعمل إنتاجي مركب.  ومن الأولويات النصية المهمة التي يحسن أن نوردها كمثال عليه في هذا المدخل قبل أن نبدأ في تناول دور الجامعات على مستوى التجربة الرقمية، التجارب الرقمية المؤسسة التالية:

  • تجربة الأمريكي ما يكل جويس الرقمية التي يعدها النقاد فاتحة الأدب الرقمي، وهي قصة يسميها بعض النقاد رواية عنوانها (الظهيرة 1986). تعتمد مع النص بعض الوسائط.
  • روبرت كاندل، شاعر أمريكي، مؤسس موقع (دوائر الكلمة)، من مجموعاته الشعرية طواف المدينة ( كتب أول قصيدة رقمية عام( 1990).
  • محمد سناجلة كاتب أردني، (مؤسس موقع اتحاد كتاب الإنترنت العرب، وله عدة روايات مما يسميه الواقعية الرقمية، وأول رواياته الرقمية رواية (ظلال الواحد(2001). ثم صدرت رواية بنات الرياض 2004/2005/ وترجمت للإنجليزية 2007م، وإلى أكثر من أربعين لغة بحسب ويكبيديا العالمية.
  • مشتاق عباس معن، شاعر عراقي،له مجموعته أو قصيدته( تباريح رقمية لسيرة بعضها أزرق) 2008.

ونلاحظ أن العمل الروائي يتقدم على العمل الشعري في التجربة العالمية والعربية.

 

 

 

(2)

 تعد الجامعات في العالم الموجه لحركة المعرفة، وكل عمل علمي لا ينضج إلا في مختبر جامعة. ومن عجب أن كنّا نرى تحول المجتمع المعاصر في عمومه إلى الإلكترونية في ظل تحفظ بعض الجامعات في مواجهة ظاهرة المعرفة الرقمية، في الوقت الذي ينتظر أن تضع الجامعات والمؤسسات المعنية استراتيجيات بحثية لمعالجة كافة القضايا الجديدة في كل التخصصات. وإذا نظرنا لعلم الأدب المعاصر مثلا سنرى أن حركة الإبداع والنشر لم تعد في الأغلب ورقية البتة، وأن النص الأدبي الذي تبنى عليه رسائل الماجستير والدكتوراه لم يعد منه في الكتب إلا أقله. والباحث الذي يتناول دراسة شاعر أو ظاهرة أدبية لا يمكن أن يجد نتاجه مكتملا، ولا ما كتب عنه إلا من بوابة المدونات والمواقع الإلكترونية. وإذ انقطع لدراسة الظاهرة في الكتب والنشر الورقي فحسب فسيوقعه ذلك قطعا في نتائج مبتورة وليست دقيقة، وربما تعد نتائج دراسته تدليسا تاريخياً لنتائج غير سوية.  فماذا فعلت الجامعات إزاء مواجهة هذه المستجدات البحثية،؟! وللإجابة عن هذا السؤال البحثي سنجد أن الأمر يتفاوت من جامعة لأخرى ،لكنها في الغالب تتحرك أعمالها في رقمنة اللغة في المسارات التالية:

  • ثمة نقاد يتبعون جامعات لهم عدة مؤلفات، ولعل من أهمهم في العشر سنوات العربية الماضية كل من نبيل علي من جامعة القاهرة، وله عدة كتب صدرت عن سلسلة عالم المعرفة[2]، وسعيد يقطين من جامعة محمد الخامس في المغرب[3]، وفاطمة البريكي من جامعة الإمارات [4]. وعبدالرحمن المحسني من جامعة الملك خالد[5]. وهي كتب وإن كانت تتبع لجامعات من جهة مؤلفيها، لكنها تمثل جهودا فردية لا تتصل بجهد الجامعات في دعم الرقمية اللغوية.
  • أفسحت بعض الأقسام مجالا لطلابها لتسجيل رسائل في دراسة موضوعات تتصل بمواقع التواصل الاجتماعي، ومن الجامعات المتقدمة في منح درجات علمية في الأدب الرقمي بعض الجامعات المغربية، ومنها(جامعة ابن الطفيل، وجامعة الرباط، وجامعة محمد الخامس، وفي الجزائر عدة جامعات منها جامعة قاصدي مرباح، وفي السعودية عدة جامعات ومنها جامعة الملك خالد وجامعة الأميرة نورة. ومنها أيضا جامعة القاهرة ،جامعة الإمارات، والجامعة اللبنانية..وغيرها.
  • أقامت بعض الجامعات مؤتمرات دولية ومنها جامعة الملك خالد (اللغة العربية والنص الأدبي على الشبكة العالمية) انظر التقاصيل في الرابط التالي: https://www.spa.gov.sa/viewfullstory.php?lang=en&newsid=1592129 . ومنها جامعة روتشستر للتكنلوجيا في دبي .
  • نشرت بعض مجلات الجامعات موضوعات بحثية تتصل بالأدب الرقمي. وهي كثيرة في عدد من الجامعات العربية.

  كل هذه الأعمال مهمة، وتمثل وعيا جيدا بالتحديات  التي يجب أن تخوضها الجامعات  ، وهي جزء من تحدياتها البحثية. وتطح الرقمية اللغوية إلى أن تخطو الجامعات خطوات أكبر في مواجهة حركة اللغة والتقنية على مواقع التواصل الاجتماعي ومن ذلك:

  1. إدخال الأدب الرقمي ضمن مفردات مقررات برنامج البكالوريوس في الجامعات العربية باعتباره ظاهرة لم يعد من المناسب تجاوزها،مع أهمية استقلاله بمقررات مستقلة في الدراسات العليا. ,وبعض الجامعات أضافت بالفعل موضوعات لمقررات الأدب الحديث في الدراسات العليا، ولكن في ظني أننا نحتاج لمقررات مستقلة تباشر قضايا اللغة والرقمنة، وقضاياها كثيرة ومتشعبة وتتصل بقضايا الأدب العربي في القديم والحديث.
  2. ضرورة إيجاد مشاريع في مراكز البحث العربية لحفظ النص الأدبي الرقمي كما ورد إلى الشبكة وبطرق متطورة تحافظ عليه بعيدا عن اتصال الإنترنت، بحيث يكون محفوظا كشاهد أدبي على العصر من جهة، ومحفوظا من الضياع والتلاشي من الشبكة من جهة أخرى، إذ كنا نعلم قصر عمر المواد التي توضع عليها، ونحن بالتالي نهيئ النص الأدبي للدراسات العلمية والنقدية، وهي مسئولية مؤسسية جديرة بالنظر العاجل قبل أن نندم ولات ساعة مندم حين نرحل إلى التاريخ بلا ذاكرة.
  3. أهمية تعديل اللوائح في الجامعات لتستوعب مستجدات البحث، ومن ذلك اعتماد نسخ الـ pdf ، وتحديد الجامعات على مواقعها بعض المواقع الجادة التي يمكن الاعتماد عليها. ومنها أيضا تعديل لوائح المناقشات العلمية بإضافة ما يتصل بقضايا شروط النص المعتمد والمادة المعتمدة، ولوائح قاعة المناقشة وتهيئتها بما يمكن به عرض النصوص وقراءتها.

تعزيز توجيه طلاب الدراسات العليا إلى نقد النقد للدراسات النقدية المتصلة بالأدب الرقمي العربي وقضايا اللغة الرقمية بعامة لوضعها في ميزان النقد. وقد صدرت مجموعة من المؤلفات والأطروحات العلمية خلال العقد الماضي ومنها مثلا:

  • حسام الخطيب، فلسطين (الأدب والتكنلوجيا وجسر النص المتفرع) 1996م .
  • نبيل علي(الثقافة العربية وعصر المعلومات)2001م.
  • سعيد يقطين(من النص إلى النص المترابط 2004م.. وتبعه مجموعة كتب وبحوث.
  • فاطمة البريكي(مدخل إلى الأدب التفاعلي(2006م)
  • عبدالرحمن المحسني خطاب الـsms الإبداعي صدر 2008، ونشر الباحث في جريدة الوطن  عدد ( 12/أكتوبر/2006 ) بعنوان (رسائل الـsms الإبداعية قراءة أولى في البنية)قبل ذلك 2006 .

ج- هناك جهود تمت بعد ذلك، وربما كانت أكثر نضجاً، سواء لبعض النقاد الذين أشرنا لجهودهم سابقا، أو لغيرهم ونذكر منهم( زهور كرام، الأدب الرقمي 2009، و إيمان يونس أطروحة دكتوراه (تأثير الإنترنت على أشكال الإبداع والتلقي)، عبدالله الغذامي(ثقافة تويتر) ومنهم محمد أسليم، وأحمد فضل شبلول، محمد حسين، وفاطمة كدو، عبدالله ملحم وغيرهم، و يحسن أن توجه الدراسات الأكاديمية إلى تلك الجهود ابتداء لقراءتها والتأسيس عليها لتبدأ الدراسات العلمية للرقميات بداية صحيحة من حرم الجامعات. كما يحسن من بعد فتح آفاق البحث العلمي للطلاب بتخير موضوعات لهم ذات قيمة معرفية عالية، وهنا يجدر بنا التأكيد على ضرورة وعي الأقسام العلمية في الجامعات أن واحدة من مسئولياتها عدم فتح المجال للطلاب لاختيار موضوعاتهم، بل يحسن تشكيل لجان علمية واعية بحركة المنتج المعرفي ، واقتراح موضوعات تخدم المعرفة الحقة وتبني عملا بحثيا يسهم في التنمية.

  1. إفراد زوايا خاصة في المكتبات الجامعية لمجالات اللغة والتقنية ، تركز على جمع المنتج الرقمي من جهة ومقاربته للمستفيدين حتى تبنى المعرفة على تراكمية صحيحة مع الحرص على حفظ المصادر والمواد العلمية بعيدا عن متغيرات الشبكة .

وآخر دعوانا أن الحمد لله والصلاة على رسول الله

 

  

 لتحميل الورقة 

 

 


[1] إيمان يونس”تأثير الإنترنت على أشكال الإبداع والتلقي_ط1،دار الهدى للطباعة ودار الأمين للنشر، الأردن الأميل 2011م

[2]  من اللغة العربية والحاسوب 1988، والعرب وعصر المعلومات1994،والثقافة العربية وعصر المعلومات2001، والفلجوة الرقمية 2005.

ومن كتبه من النص إلى النص المترابط 2005.[3]

 ومن كتبها مدخل إلى الأدب التفاعلي 2006.[4]

 الإبداعي دراسة في تشكلات البنية 2008. SMS   ومن كتبه خطاب ال [5]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *