مراكب الغيد في الشعر الجديد

الأديب الكبير عبدالرحمن بن معمر*

أقرأ بين وقت وحين، وأسمع وأرى منذ سنين دعوات ورغبات هنا وهناك حول السماح للنساء بقيادة السيارات تنطلق بين مؤيد، ومثبط، ويفترق الدعاة ويتفرق الأنصار كل حزب بما لديهم فرحون..
وقد رغب بعض الإخوان، وتمنى نفر من الأحباب أن أقول رأيي وأدلي بدلوي وأضرب مع القوم بسهم وأقول في القضية بقول، وقد تأملت الأمر، وقلبت النظر عن اليمين وعن الشمائل، وألقيت على نفسي أسئلة وأجبت عليها، ليس على طريقة معهم أو ضدهم، لكن على منهاج الأدباء من ذوي المزاج، والكيف فلا تذكرون بالميل والحيف.
بل دعونا نتناول الأمر بالتفصيل، فنتحدث عن المرأة ماشية على الساقين، أو ممتطية دراجة بعجلتين، أو قائدة سيارة (سبور) ببابين.
مشية الحسناء ما أحسنها
وصف الشعراء مشي الغيد الأماليد وتغزلوا به وقرنوه بخطو اليمام وحجل الفرس، ووثب الغزال ودق الجرس، إلى غير ذلك من جميل الأوصاف ورقيق التشبيهات، وهذا الشاعر السعودي إبراهيم هاشم فلالي (نزيل مصر) رحمه الله، إذا خطرت أمامه حسناء أو عبرت ذات غنج ودلال، صار كالفراشة تحوم وتضطرب، اسمعوه في قصيدته (مشية الحسناء).
تمشي فأحسب قلبي عند مشيتها
يغادر الصدر مشيا نحوها خببا

فلست أعلم هل مس أصيب به
أم الهوى بشغاف القلب قد لعبا

لا تسألوني عن حالي إذا خطرت
ولا تلوموا إذا ما صرت مضطربا

فحلو مشيتها (يا صحب) يتركني
مثل الفراشة لما أن ترى لهبا

راكبة الدراجة
يحلو لبعض الغيد أن يركبن دراجات تغدو بهن وتروح جيئة وذهاباً وهن يتمايلن عليها مقهقهات عابثات بين الدور والطرقات، يؤذين السابلة، لكن برفق، ويمزحن مع الجمهور بلطف، ومن المارة من يشتهي حملهن على الأكتاف والظهور والجري والركض بهن توفيراً للراحة ورحمة بالساقين فالحسن مرحوم والزين مخدوم.. وهذا الدكتور أحمد زكي أبو شادي يصف غادة تركب دراجة تشق طريقها ضاحكة بين الجموع المزدحمة:
يا غادة تركب في خفة
محسودة لولا رشيق القوام

من علم الحسن الدلال الذي
ينساب لا يرعى حقوق الأنام

يشق في جمع لهم خطه
لا يرهب الجمع وفرط الزحام

أتعبت ساقيك بلا موجب
ياحسن ساقيك بوثب يرام

هلا تسنمت ظهورا لنا
فكلنا يحمل عبء الغرام

حملك من أحلى ثمار الهوى
وعبئك البر يداوي السقام

لك المنى في خطرات الهوى
في المشي فتانا وعند المقام

والآن قد زدت أفانينها
من أحدث السحر الحلال الحرام

كأنما أشهرت حربا فيا
رحماك رحماك لباكي السلام

راكبة أخرى تثير الشاعر
وتهيج المشاعر
أما شاعر الجندول والملاح التائه، المهندس علي محمود طه، الذي تاه حقاً وهام براكبة دراجة وهي تحرك ساقيها لتدفع بها إلى الأمام فتخفق عند ذلك قلوب وترتجف أيدٍ وتصطك ركب وسيقان، اسمعوه يقول:
تمهلي فراشة الصباح
أسرفت في الغدو والرواح
ماذا ارتياد الطرق الفساح
والوثب فوق العشب والصفاح
بين الروابي الخضر والبطاح
بالشعر المهدل السباح
يخفق بين الصدر والوشاح
والساق خلف الساق في كفاح
تود لو طارت مع الرياح
وحلّقتْ في كبد الصراح
بلطف هذا الجسد الممراح
وخفة في روحك الصداح
تكاد تغني الطير عن جناح
يالهواء عابث مفراح
سكران لا من خمرة الأقداح
بل من صباك والصبا كالراح
يرفع طرف الثوب في مزاح
لا يستحي من لائم ولاح
فوق كثيب الورد والأقاحي
أخشى على حسنهما الوضاح
عين اشتهاء ويد اجتراح
بل صرت أخشى ثورة الأرواح
في مثل هذا الحرم المباح
وددت لو بالروح أو بالراح

وسائقة سائغة عابرة
المرأة كائن محبوب أليف لطيف، إذا جمعت بين الرقة والملاحة، الوثوب إلى السيارة والجلوس خلف مقودها وإدارة محركها، والسير بها.. الشاعر السعودي إبراهيم خليل علاف يصف لنا مشهد سائقة (سائغة) حلوة عابرة، تقود سيارة تتحصن بداخلها، والعيون تحملق حولها والنظرات الكسيرات تبحلق فيها عبر الزجاج:
أتسوقين حلوتي سيارة
وتبثين بالمرور حراره

وتزيدين من مشاكل سير
وتقدين في الزحام حصاره

إن عينيك والتفاتك سحر
بلورته وأبدعت نظاره

أنا أخشى من المؤشر عمدا
في الملفات أن يطيل احمراره

إن سيارة تحصنت فيها
معرض دائر حسدنا احتكاره

أما الشاعر السعودي الآخر طاهر زمخشري، فيحدثنا عن سيارة ركبها بجوار حسناء طافت فيها بين المروج الخضر وجازت به إلى شاطئ البحر ثم وقفت هناك وهو في مثل ما يرى النائم من حلم رائع رائق:
قد أدارت محرك السيارة
ثم راحت تقودها بمهارة

وتخطت بي المروج إلى أن
دانت البحر أوقفتها جواره

وأنا ساكن أعب من الفتنة
قد ضاعفت رواها النضارة

لست أدري أفتنتني بسناها
أم شذاها أم سوقها السيارة؟

سائقة السيارة
هذا الشاعر المهجري المهاجر جورج صيدح يحدث عمن ابتسمت له في الطريق ثم ولت مسرعة بسيارتها وتركت الدخان يخرج من (الشكمان) ليدخل في خياشيم الشاعر ويسلمه إلى عطاس:
بسمت لي ثم حادت عن طريقي
ومضت كالسهم من سوق لسوق

نظرة طارت وفكر حوط في
قفص التذكار من جو طليق

ودخان يتهادى خلفها
كستار لمعاصيها رقيق

مشهد سمرني في موضعي
لست بالمغفى ولا بالمستفيق

جارت الذكرى فآلت أن أرى
في غروب العمر زلات الشروق

حضرتني النظرة الأولى التي
شرجت وجهي ولم تأبه لضيقي

وتلتها غمزة مغناجة
شقت الباب وأغرت بالطروق

وسويعات التصابي لم تطل
طول ساعات التخلي والمروق

حسناء تسوق سيارة
ومسك الختام في هذا المقام، مع الشاعر العراقي أحمد الصافي النجفي في غانية من أهل الكتاب تعلق قلبه بها وهام كالطير لتقبيلها، وقد تمنى أن يركب بجوارها ليلمس كفيها، فإن لم يستطع أن يصل إليها فلا مانع أن يدهسه أوتومبيلها (هكذا) حتى الدهس يريده من ذات حسن وجمال لا من ذوي الخشونة من الرجال:
غانية فاقت على جيلها
وحق قرآني وإنجيلها

ساقت أتومبيلا رفيقا لها
يجري رخاء وفق مأمولها

رفيق سير حوته كالغنا
يا عذب النغمة مقبولها

كأنه الطيف إذا ما سرى
في ساحة المقلة مكحولها

ألطف ما قد صيغ من جيله
فيه التي ألطف من جيلها

آخر موديل جمال كما
موديله حلو كموديلها

نشوان من نفحة أردانها
يختال إذا خص بتفضيلها

أضحى مليكا بين أترابه
متوجا منها بإكليلها

أحيته في الروح حلت به
بلمس كفيها ومنديلها

مرت كما مرت بنا نسمة
من عاطر الأزهار مطلولها

تعلق القلب بها فاغتدى
يحوم كالطير لتقبيلها

أهوى ركوب لي في جنبها
أولا فدهسا بأتومبيلها

وبعد فيا أيها الأعزاء هذا مقال كتبته كما أسلفت مشاركة واستجابة لطلب إخوان الصفاء الذين رغبوا أن أشارك وأكتب وأقول وأدلي، وهأنذا قد فعلت، فهل ترونني ملت، إنني لم أؤيد، ولم أعارض هؤلاء ولا أولئك، ولكن سقت طرائف من قصائد الشعراء، وتركت أمر ذلك لذوق القراء.

*أديب سعودي ـ الطائف
كتب المقالة عام 2005م .. ولتجدد الظرف التاريخي بالقرار التاريخي للملك سلمان يحفظه الله رأت المجلة تذكير القراء بها..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *