الكتابة على جهاز آيفون – قراءةٌ في المسافة الفاصلة ! 

الكتابة على  جهاز آيفون … قراءةٌ في المسافة الفاصلة ! 
*د.سعودالصاعدي

 

صدر للشاعر عبد الرحمن الشهري ثلاث مجموعات شعرية ، (أسمر كرغيف ،عام ٢٠٠٤م)و (لسبب لا يعرفه ،عام ٢٠١٢م) و (صعود متأخّر ٢٠١٧م) ، و بين يديّ مجموعة سردية تحت عنوان (الكتابة على جهاز آيفون) صدر عن دار أثر في العام الحالي٢٠١٨م ، و هو موضوع قراءتي في هذه المقالة الموجزة عن رؤية المجموعة و انسجامها مع دلالة العنوان ، إذ يبدو لي أن الكاتب  رسم ظلال ملامح و رصد مشاهد أكثرها ، إن لم تكن كلّها ، تنتمي لحقبة أواخر الثمانينيات الميلادية ، و هنا موضع المفارقة بين العنوان و المضمون ، فالكتابة على جهاز الآيفون حدث ينتمي إلى الزمن التقني ، أما مادة الحكي أو مضمونه فمن ذاكرة ملأى بأحداث سابقة هي تقريبا ما بين الثمانينات و التسعينات الميلادية و هي الفترة التي تشترط قارئا خاصا ، على الأقل ليشعر بوهج الكتابة و ليدرك المفارقة التي أراها مقصودة ، فالملامح التي يرسم الكاتب ظلالها و يتتبّع تفاصيلها بإيجاز منتزعة من ذاكرة خمسينيّ أو يزيد قليلا ، هو ذاته المبدع الرواي و هو افتراضا القارىء أيضا ، و مالم يتّحد الجو النفسي بين الكاتب و القارىء على مشارف الخمسين أو حتى ما بعدها في أكثر الأحوال فقد تحدث قطيعة  بين المرسل و المتلقّي على مستوى الوجدان الذهني ، و أعني بهذا التركيب بين الوجدان و الذهن تلك الصلة التي تنتج عن تجربة الأحداث الحية التي تنطوي عليها قصص ،أو بمعنى أدقّ ملامح و بورتريهات المجموعة، في الكتابة على جهاز آيفون ، و قد أختير هذا العنوان فيما يبدو بعد مفاضلة بينه و بين “الكتابة على مشارف الخمسين” ، أو في أقلّ تقدير فيما يمكن لمحه بين هاتين العلامتين الدالّتين ، علامة الزمن التقني الذي يمثّل الذاكرة الجديدة و علامة الزمن الورقي ، لنسمه بذلك تحقيقا للتوازن بين زمنين ، و كلا العنوانين حاضر في المجموعة ،” الكتابة على جهاز آيفون” (ص ٢١ و ٢٢) ، و”الكتابة على مشارف الخمسين”(ص٦٧ و ٦٨) ، لكن الكاتب آثر العنوان الأول ليكون عنوانا للمجموعة لإحداث المفارقة أعلاه ، و هو اختيار موفّق ، كون العناوين عتبات مهمة في صياغتها اللافتة ، و قبل ذلك و هو الأهم بسبب أنّه يحقق شرط الرؤية التي تجمع النصوص في نسق واحد هو ، فيما أرى ، كتابة الماضي بأدوات الحاضر ، و هي ليست مجرد مفارقة ضدية بين الأداة و المضمون ، الجهاز في مقابل الحدث ، و إنما مفارقة تشمل النظر من بُعد لتسجيل أحداث قديمة بمعطيات ذاكرة جديدة  بما في ذلك المفاتيح التي ترقم هذه المشاهد الحية في ذاكرة الزمن القديم ، غير أنها تبدو في استعادتها الجديدة مختلفة في ذاكرة الراوي الذي يتقمّص دور القاضي أحيانا و أحيانا دور الشاهد و في أحيان أخرى دور الواصف المحايد ، لكنه في كلّ الأدوار يبدو مغروسا داخل الحدث الذي يرسم ملامح شخوصه و ظلالها ، سواء كانت تخصّه أو تتعلق بغيره في المرحلة نفسها ، فالنصوص في أكثرها تتحدث عن شخصية واحدة في ملامح شتى أو نسخ مختلفة و أمزجة و صفات مهما تباينت إلا أنها في جوهرها تصف بطل المجموعة في صورته الكلية ، سواء كان قد شارف الخمسين أو جاوزها بكثير ، ذلك البطل الذي “عندما بلغ أشدَّه كانت الحياة قد أصبحت وراءه و راحت تلوّح له بمنديل أبيض ” فـ” كان أذكى من أن يقع في مصيدة العمر الغبية “، و هو نفسه البطل الذي يتعدد في أكثر من ذات داخل نصوص المجموعة ، سواء تعاطف الكاتب معهم أم وقف بالضد منهم ، فهم في نهاية الأمر ” كانوا منعزلين بشكل مبالغ فيه إلى درجة أنهم حاولوا إيقاف الزمن عند ذكرياتهم الجميلة . الزمن الذي تحوّل إلى أرنب و كفَّ عن كونه سلحفاة “، حيث “كانت آذانهم معبّأة بشمع القصائد القديمة التي واصلوا كتابتها على هواتفهم الذكية” ، و لأنّ الكاتب كان واحدا منهم ، من مجايليهم فيما يبدو ، فقد انتدب نفسه لمهمة نقلها إلى الزمن الجديد ، و “بشيءٍ من الحنين حملها ،…، إلى حيث ينبغي أن تكون . إلى كتاب ورقي بالتأكيد”.
هنا تعود الذاكرة في حركة دائرية من صيغتها الرقمية “على جهاز آيفون” إلى صيغتها الطباعية في كتاب ورقي ، و من ذاكرة الآلة إلى ذاكرة الإنسان !
تلك كانت فيما بدت لي رؤية المجموعة و فق دلالة العنوان و مضامين المشاهد التي تم رصدها و رسم ملامح شخوصها من الداخل النفسي غالبا ، و ما يبدو أنّه خارج نسق النصوص فهو ليس كذلك ، إذ حتى ما يتم رصده داخل الزمن التقني هو في بعده النفسي و رتبته الزمنية ينتمي لتلك الحقبة ، فها هو البطل الكلّي في المجموعة يظهر في صورة تقنية جديدة ، لكنها صورة من يقف “وحده في الحلبة” ، بعد أن فاته في الزمن الأول القفز على الحبال مع المغامرين ، و لأنه يريد أن يستدرك ما فاته صار يرتطم بالحبال كلّ يوم في محاولات فاشلة لم تثمر عن شيء ، إلى أن “صار كالثور الذي ينطح الهواء على أنّه خرقة حمراء .يريد أن يصبح شهيدا و لم يلتفت إليه أحد . يريد أن يعترف به الأخ الأكبر ،و لكنّ مغامراته تأخّرت عقدين”، و حضور الأخ الأكبر هنا له دلالته الرمزية و الأيديولوجية التي تكشف عن هوية هذا البطل المتأخّر أو المتعثّر في زمنه .
إن هذه الصورة تحديدا للبطل الذي يحاول تعويض ما فاته من القفز على الحبال صورة تلقانا و نلقاها كثيرا في طرقات التقنية في مواقع التواصل . سواء في الفيسبوك كما هي حالة بطل النص أو في تويتر ، فالذين تأخّروا على القفز أكثر من عقد لا يزالون يمارسون المغامرات الباردة في زمن صارت فيه الحلبة بغير حبال !
أخيرا .. ثمة مشاهد متعددة تستحق السبر و جسّ نبض حركتها الداخلية بحسب الشرط القرائي لرؤية المجموعة ، أو على الأقل ما أعتقده كذلك في ضوء ما تم تأسيس  القراءة عليه في العنوان من مفارقة بين الأداة و المضمون ، تلك المشاهد التي حوتها المجموعة و شعرت أنا شخصيا بوصفي قارئا أنّي مررت بها كما مر بها الراوي تماما ، و أنّه قد نهل من ذاكرة كانت ملتقى للعابرين في تلك الحقبة الزمنية على مختلف مشاربهم و طريقة صدورهم ، لهذا كان ذلك كافيا لانحيازي لهذه الكتابة في صيغتيها التقنية و الورقية !

* ناقد وقاص وأكاديمي سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *