الوظائف عند فلاديمير بروب: (عقلة الأصبع أنموذجاً)

*هدى محمد المطلق 

 كل خرافة من الخرافات تحتوي على عناصر ثابتة وعناصر متحولة، والوظائف التي يقوم بها الشخصيات تعتبر ضمن العناصر الثابتة، أما الشخصيات فهي العناصر المتحولة في الخرافة .

      والوظيفة هي العمل الذي تقوم به الشخصية، ولكن بروب لا يعتبر كل عمل تقوم به الشخصية هو وظيفة، فمفهوم الوظيفة بالنسبة له “عمل شخصية ما، وهو عمل محدد من زاوية دلالاته داخل جريان الحبكة”(1) ، فهو يرى بأن باقي الأعمال الأخرى هي أعمال ثانوية وليست أعمالاً أساسية .

عندما نتجه لتحليل نص (عقلة الإصبع)، والتي هي نوع من الحكايات العجيبة، وواحدة من القصص العالمية التي تختص بالحكايات الخرافية، وتستهدف فئة الأطفال في ذلك، نجد أمامنا أربع شخصيات رئيسية، وهي ضمن سبع شخصيات أساسية تنحصر في الحكايات العجيبة حسبما قسمها الشكلاني الروسي (فلاديمير بوب)، وهي:

  • المتعدي أو الشرير الغول .
  • الواهب الملك .
  • المساعد زوجة الغول .
  • البطل عقلة الإصبع .

      وقبل أن نغوص في التحليل الوظائفي لهذه الحكاية، نستعرض ملخص القصة في عدة أسطر، وهي:

تحكي القصة حكاية حطاب فقير يعيش مع زوجته وأولاده السبعة في الغابة، وكان أصغر أولاده ولد صغير جدًّا بطول الإصبعة، حتى سماه أبوه (عقلة الإصبع) .

وعلى الرغم من صغر حجمه إلا أنه ذكي جدًّا، فقد ساعد إخوته من الضياع في الغابة بوضعه للحجارة في طريق سيرهم؛ حتى يهتدوا إلى العودة عندما يتيهون في الغابة.

وفي المرة الأخرى فشل في ذلك؛ لأنه أخطأ بوضع كسر الخبز، حيث أكله الطير وتاه الأولاد في الغابة، واعترضتهم بعض المخاطر من قبل الغول المتوحش.

في النهاية ساعدهم عقلة الإصبع بالعودة إلى المنزل سالمين، وأيضا إنجازه لمهمة كلفه بها الملك دون علم الجميع، فكافأه الملك هو وعائلته بإنشاء منزل جديد له ولعائلته، وبكيس من الذهب، حتى عاش مع أهله مسروراً، دون أن يضطر والده الفقير إلى قطع الأشجار كل يوم في الغابة، ويغتني عن حاجته لغيره.

التحليل :

أول وظيفة تواجهنا هي وظيفة (بداية الفعل المراد)، إذ يعد عمل عقلة الإصبع عندما خشي من الضياع عملاً هاماً ، فهو بدأ بفعل غفل عنه الآخرين، وهو كما ورد في سطور القصة:

ويوما ما لم يبق عندهم ما يأكلوه من طعام، فقرر الأب بأخذ أولاده معه إلى الغابة من أجل أن يساعدوه في عمله. وعندما سمع عقلة الإصبع بهذا الخبر قلق كثيرا وقال لنفسه: إن الغابة كبيرة جدا ربما نضيع فيها ولا نستطيع أن نعود لمنزلنا. وبناء على ذلك قرر عقلة الإصبع بملأ جيوبه من الحجارة الصغيرة وبدأ برمي تلك الحجارة الواحدة تلو الأخرى أثناء سيرهم في الغابة” .

ولأننا نسير في سلم وظائف تراتبي، إذ لا يمكن أن تجيء وظيفة قبل الأخرى في الوظائف الإحدى والثلاثين التي حصرها (بوب)؛ فإن الوظيفة التالية هي وظيفة (رد فعل البطل)، والتي تمثل ضحك عقلة الإصبع وردة فعله من خوف الأولاد، كما نجده هنا:

ولما أرادوا العودة لأبيهم لم يعرفوا في أية اتجاه سيذهبون، فخاف الأولاد وعقلة الإصبع يضحك لأنه كان سيبحث عن الحجارة التي رماها على الأرض وسوف يصل إلى البيت” .

بعد ذلك تأت وظيفة (العلامة أو الأمارة)، وهي وظيفة قام بها البطل كفعل يساعدهم على العودة للمنزل بسلام، تمثلت في القصة كما يلي:

وفي وقت من الأوقات في منزلهم مرة أخرى، قرر الأب بأخذ أولاده معه إلى الغابة. وهذه المرة وضع الولد في جيوبه مكسرات الخبز” .

وبعد تيه الأولاد في الغابة وعثورهم على منزل الغول وزوجته، التي أكرمتهم وقدمت لهم الطعام وآوتهم تلك الليلة في غياب زوجها الغول ودون علمه، تواجهنا وظيفة (العودة)، حيث هرب الأولاد بمجرد سماعهم صوت الغول، يتمثل ذلك في القصة كما يلي:

وفي لحظة خوف شرحت زوجة الغول ما حصل بأنها تركت باب المنزل مفتوح حيث هرب الأولاد كلهم منها” .

فتأت الوظيفة الملازمة لها في هذه الحكاية، وهي وظيفة (المطاردة)، حيث ذهب الغول خلفالأولاد للحَّاق بهم، كما وردنا في سطور القصة:

ومن أجل القبض على الأولاد لبس الغول العملاق حذاءه السحري وهو غضبان ثم ذهب خلف الأولاد لكي يلحق بهم“.

بعد ذلك ترد وظيفة (النجدة)، تمثلت عندما تمكن البطل من مساعدة إخوته في الوصول إلى المنزل باستخدام الحذاء السحري، كما ورد في الحكاية :

وفي تلك الأثناء لاحظ عقلة الإصبع فائدة هذا الحذاء السحري فتقدم نحو الغول العملاق وهو نائم ببطء وأخرج الحذاء السحري من قدم العملاق ولبسها، وأثناء تفكيره بكيفية استخدامها رأى أن الحذاء السحري قد أصبح صغيرا وأصبح ملائما على قدميه، وكان عقلة الإصبع لا يصدق السرعة التي يمشي بها الحذاء السحري وفوراً صرخ على إخوته وبفضل هذا الحذاء السحري استطاع أن يوصل إخوته إلى البيت“.

       لتكون رديفة لها وظيفة (الوصول خفية)، حيث تمثل وصول الأولاد إلى منزلهم بسلام وخفية، بعيداً عن أنظار الغول الشرير.

        ثم تجيء تباعاً وظيفة (الادعاءات الكاذبة)، إذ أن البطل يسعى أن يساعد عائلته بواسطة هذا الحذاء السحري في قصر الملك وخفية عن علم أبويه، فهو يطلب الخروج من المنزل دون إخبار أبيه عن المكان الذي يذهب إليه، وهذا ما نستنتجه هنا:

ثم طلب من أبويه بأن يخرج من المنزل لفترة. كان يريد الولد الإصبع بأن يساعد عائلته بواسطة هذا الحذاء السحري وسوف يحقق ذلك في قصر الملل” .

وخلف هذه الادعاءات وظيفة يسعى البطل لإنجازها، وهي وظيفة (المهمة العسيرة)، فقد كلَّف الملك البطل بمهمة صعبة، وهي أن يحصل على معلومات عن أعداء البلاد، كما تبين أمامنا:

واستمع الملك بكل صبر لعقلة الإصبع وأراد أن يعطيه فرصة للنجاح . واستطاع عقلة الإصبع بأن يحصل على معلومات عن أعداء البلاد لأجل أن يكافئه الملك” .

بعد ذلك تأت وظيفة (إنجاز المهمة)، وهي ما يتوقعه قارئ أو متلقي هذه القصة، حيث نجد نتيجة هذه المهمة كما يلي:

واستطاع عقلة الإصبع بأن ينفذ المهمة فجلب المعلومات إلى الملك بلمح البصر وهكذا انتصر الملك على أعدائه“.

ثم يكافئ الملك البطل “عقلة الإصبع” على حسن صنيعه بإنشاء منزل جميل له ولعائلته، وإعطاءه كيساً مليئاً بالذهب؛ حتى يكون في غنى عن حاجة الناس.

بذلك نجد أن الوظائف التي وردت في هذه الخرافة هي عشر وظائف، من بين إحدى وثلاثين وظيفة .

فهذا النص عبارة عن قطعة نثرية بسيطة التركيب ، تلامس قلوب الصغار سرداً ومضموناً، لغتها شفافة غير معقدة، ومضمونها جيد وصادق وذات دلالات رمزية محدودة.

 

الحواشي :

(1)بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي ، د.حميد لحمداني ، المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء ، ط 3 ، 2000م ، ص 24 .

*ناقدة سعودية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *