رمضان وحديث الذكريات

تحقيق:عبد الحق هقي:

لشهر رمضان المبارك حضور في ذاكرة الأديب والمدونة الأدبية لما فيه من روحانيات وطقوس، فهو يتميز بأجوائه الساحرة ومشاعره الدافئة عن بقية الشهور، فلكل أديب ذكرياته الخاصة مع هذا الشهر الكريم، ولا شك أنه يحتفظ بتفاصيل أول رمضان وذكريات الصيام في الطفولة، والأشياء التي لا تزال تلازمه والأشياء التي بات يفتقدها، وعادات القراءة والكتابة فيه، وما يحرص على نقله لأبنائه وأحفاده، كما أن المدونة الأدبية العربية حافلة بالنصوص التي احتفت برمضان وصورت يومياته، وذكرت تفاصيله ونوادره، وعرجت على عادات الشعوب في استقباله ووداعه وقضاء أوقاته، نهاره وليله، صغاره وكباره، في الوطن وفي الغربة، في العسر واليسر، وحول تلك الأجواء والذكريات استطلعنا نخبة من الأدباء العرب حول شهر رمضان الفضيل، وشجون الذاكرة في رمضان، وأول الصيام، وذكريات الفرح الطفولي في هذا الشهر الفضيل؟، وعن العادات والتقاليد الجميلة التي يحرصون عليها أثناء الصيام وبعد الإفطار؟، والتساؤل عن مدى  تغير الناس حقًا مع رمضان؟، وإن كان لكل زمن طقوسه؟، وهل هناك حنين لطقس ما بات مفقودًا؟، كما عُرج على طرق موضوع الطقس الكتابي الخاص بشهر رمضان، وغيرها من خواطر الذاكرة وشجون الذكريات..

يقول الشاعر العُماني إبراهيم السوطي:

 

إن رمضان شهر متفرد بامتياز عن كل الشهور، مهما تغيرت العادات، بل أن رمضان أيضًا يغير عاداته بتفرد عن باقي الشهور وكما يغني الراحل الكبير أبو بكر سالم (الزمن ما تغيّر، بس – ويلاه – أهل الزمن متغيرين )، فالزمن لا يغير وجهه ولكن الناس هم الذين يتغيرون ويتلونون باستمرار، وعن عاداته في هذا الشهر يُسر الشاعر بأنه قبيل دخول رمضاننا هذا افتقد طقوس الصوم في البيت وذلك بسبب مكان الوظيفة واضطراره لقضاء الشهر بعيدًا عن صوم البيت و الحارة والبلدة، لذا  قرر لأول مرة قضاء إجازته السنوية في هذا الشهر الفضيل في البيت لاسترجاع الحياة القديمة التي ما زالت تمتلك طابعها الخاص ورونقها المتفرد؛وعن طفولته الرمضانية تتفتق ذاكرة شاعرنا وشجون الحنين إلى ذلك الزمن فيقول:وأنت تحملني إلى الطفل الذي بدأ للتو بالحبو فيحاول العبث بما حوله حيث بدايات التعلق بالشعر حين كنت أصوم يوماً وأفطر يوماً وأبي الذي كان يلاحظ حبي للشعر من خلال استماعي له وترديد قصائده الشعبية فكان إذا صادف اليوم الذي فيه إفطاري ينشد لي مازحاً بيت الشاعر الكبير أحمد شوقي:

( رمضان ولى هاتها يا ساقي// مشتاقة تهفو إلى مشتاق)

 ويكمل بأنه كان لبديع هذا البيت أثره في صدري وعقلي خصوصاً وقد كنت أشعر تصويره في شخصي وأنا أقضي يوما رمضانياً  آكلا شارباً فكنت أشعر بعمق جمال الصورة الشعرية، وأنا لم أكن أعرف عن الشعر وجمالياته شيئاً إلا أنني أشعر بشيء رائع كلما كان يقول أبي هذا البيت، وهو يشبه تماماً مزارع النخيل في الشتاء البارد وهو الموسم الذي صادف أن يحل الشهر الفضيل ضيفاً علينا فيه.

وفي ختام كلامه يُنشد الشاعر أحد قصائده عن هذا الشهر المبارك فيقول:

رمضان يا رمضان

رمضانُ يا رمضانُ يا رمضانُ

يا جنةٌ يا رَوْحُ  يا ريحانُ

 يا مرتعُ الأرواحِ من أسفارها

أنت الشذى والنبعُ والبستانُ

برؤاكَ هذي الأرضُ تأخذُ زُخْرُفاً

برؤاكَ كُلُّ عُيونِنا تزدانُ

يا خيرَ ضَيفٍ قد نزلتَ بدارِنا

فُرِشَتْ لكَ الأهدابُ والأجفانُ

فَبِكُلِّ رمشٍ خطَّ سطرَ قصيدةٍ

ومدادُها ما ينزفُ الشريانُ

فلكمْ تعودُ لنا بعودةِ مُشفِقٍ

ونعودُ فينا ذِلَّةٌ وهوانُ

مذ أن رحلتَ ونحنُ نزرعُ عُمرَنا

بالذنبِ حتى تَنبِتَ الأوثانُ

نفحاتُكَ انثالتْ لنا قدسيّةً

حيثُ اتجهنا روضةٌ وجنانُ

يا من تسودُ على الشهورِ مُبَجَّلاً

شهرٌ به قد أُنزلَ القرآنُ

كُلُّ الشهورِ إذا أتيتَ تَشعَّبَتْ

وبَقِيتَ أنتَ السيدُ السلطانُ

 

في حين يعود بنا الشاعر المغربي الحسن الكامح:

 إلى ذكريات الصيام الأول  فيصارحنا بأنه لم يكن صيامه الأول من قبيل الاقتناع التام بكونه ركن من أركان الإسلام الخمسة، بل جاء في من باب القدرة على الصيام وتحد للذات والجسد، ثم يعلق:لا زلت أذكر وأنا في السابعة قررت صيام يوم 26 من رمضان لموازاته مع ليلة القدر، والتي كانت فرصة دينية بامتياز للقيام بتجربة فعل الصيام مع أطفال الحي، والحقيقة لقد قررت الصيام منذ اليوم الأول من رمضان وأخبرت أمي ، حيث شجعتني على ذلك، لكن حين قلت لأمي في يومها أني صائم حاولت إقناعي بالعدول عن ذلك لأني لم أتناول وجبة السحور وان اليوم طويل… وأن جسمي لن يتحمل عنادي…، لكن بعزيمة قوية أتممت الصيام إلى آذان المغرب وكان هو أول يوم صيام في حياتي، والغريب أن السنة الموالية صمت الشهر كاملا؛فبالصبر والعزيمة نحقق أغلى الأمنيات، وعن العادات والتقاليد التي يحرص عليها فيخبرنا عن عادة شرب فنجان القهوة في البيت وبعدها الذهاب لصلاة التراويح، حيث يُحب الذهاب مبكراً لقراءة القرآن، وبعد صلاة التراويح إن لم يكن هناك برنامج ثقافي في المدينة  فهو يفضل الجلوس في مكتبه وكتابة ما يحلو له من شعر أو مراجعة لبعض النصوص إلى حدود الساعة الواحدة، كما حدثنا عن  حبه المشي بعد صلاة التراويح على شاطئ البحر  بصحبة زوجته، ثم الجلوس في مقهى لشرب فنجان قهوة وكتابة شيء ما، ولو كان بداية قصيدة  أو ومضة شعرية حسب الوقت، وعن طقوس رمضان فإنه يراها مرتبطة بالناس بالذات وبزمان معين، فمن الطبيعي كلما تغير الزمان والمكان تتغير الطقوس والتقاليد والعادات، لأن العادات والطقوس هي من إبداع الأشخاص، فحيث تجلس مع شخص ذو نكتة ومرح فالجو مخالف تماما حين تلتقي بشخص صارم، فمثلا حين كان الأولاد معنا في البيت كانت هناك عادات مرتبطة بوجود الأولاد الضحك المناقشة والحوار الجاد، مشاهدة مقابلة في كرة القدم الخ، وحين كنت أعيش في مكناس مع أمي وأبي إخوتي وأهل الحي كانت هناك عادات خاصة بنا لعب الورق… الحكايا… البرامج الثقافية… الحوارات الفكرية قراءة الكتب ومناقشتها؛لذلك فالطقوس هي في تغيير مستمر، وعن ذكرياته وشجونه فيتحدث  عن حنينه إلى طقوس رمضان في (مرنيسة) المنطقة التي ولد فيها، وهي منطقة جبلية ولها عادات خاصة الفطور كل يوم في بيت عند أحد الأصدقاء أو الأهل… التراويح.. والجلوس في الطبيعة ليلاً، أنها أيام رائعة تساعد على الكتابة حسب وصفه؛وعن طقس الكتابة لديه في شهر رمضان الكريم فيرى بأن طقس الكتابة يتغير بطبيعة الحال، فالوقت في هذا الشهر الفضيل ضيق فلا يمكن لك الجلوس للكتابة بعد العمل يعني بعد صلاة العصر لأن الجسم يبدأ في عملية التراخي ويحتاج إلى أعمال غير مركزة، والكتابة تحتاج للتركيز وضبط المعلومات والغوص في بحر الكتابة، ويرى ان أفضل زمن للكتابة في هذا الشهر هو  بعد صلاة التراويح إن لم يكن هناك برنامج ثقافي، ويردف أنه من المحبين الحضور لما يقام في المدينة من عروض أو أماسي ثقافية وفنية، مؤكدًا أنه كلما ابتعد المثقف عن هذه الأماسي كلما أبتعد عن المثقفين وعاش عزلة ثقافية ليست في مصلحة المثقف، عن طقوس الكتابة بعد التراويح فيقول أنه من الرائع أن تجلس في الشرفة والهدوء التام يحوم حولك، حينئذ الكتابة متعة والكلمات تتراقص بين أناملك، والحروف تناديك للإبحار في الذات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *