رمضان على مائدة الشعراء 2-2

بقلم: سعد عبدالله الغريبي*

أستكمل الحديث الذي بدأته في المقال السابق عن رمضان على مائدة الشعراء:

يبدو أن الألعاب المسلية والمضحكة كانت شائعة في القرن السادس الهجري إذ ينهى أبو بكر الأندلسي عن اتخاذ رمضان تسلية وفكاهة، فيقول:
لا تجعلنْ رمضان شهر فكاهة      تلهيك فيه من القبيــح فنونهُ
واعلــم بأنــك لا تنــال قبولــه      حتى تكون تصومه وتصونهُ

وذمَّ معروف الرصافي من يقضون فترة المساء في تناول مختلف الأطعمة وكأنهم ينتقمون لجوعهم نهارا، وربما أكلوا في شهر الصيام أضعاف ما أكلوا في غيره، فلا يحققون حكمة الصوم، فقال:
وأغبى العالمين فتى أكـــــــول      لفطـــنته ببطــنته انهـــزام
ولو أني استطعت صيام دهري     لصمتُ فكان ديدنيَ الصيام
ولكن لا أصـــوم صـــــيام قوم      تكاثر في فطورهم الطـــعام
فإن وضح النهار طووا جياعـا     وقد نَهِموا إذ اختلط الظــلام
وقالوا: يا نهــــار لئن تُجـــعنا      فإن الليل منـــك لنا انتقــــام
وناموا متخمــــين علـى امتلاء    وقد يتجشـــــؤون وهم نيــام
فقل للصـــائمين أداءَ فــــرض    ألا ما هكذا فرض الصــــيام

ويقول الشاعر السوري عمر بهاء الدين الأميري ردا على من طلب منه الفطر لأن الصيام يتعبه، وقد بلغ من العمر عتيا:
قالوا: سيتعبك الصيا م      وأنت في السبعين مضنى
فأجبت: بل سيشد من       عزمي ويحبــو القلــب أمنا
ذكرا وصبرا وامتثالا       للــــذي أغنــــى وأقنـــــى
ويمدني روحا وجسما      بالقــوى معنـــى ومبنــــى

ويرشدنا هارون هاشم رشيد إلى أهم القيم الروحية والاجتماعية والإنسانية التي يزودنا بها الصوم، فيقول:
هكذا الصــومُ فكرةٌ تملأ النفْـ      سَ، فتســمو لعالـــم الأنـــوارِ
هكذا الصوم نشوة تأسر الرو      حَ، فتضوي مع النسيم الساري
هكذا الصوم رحمة تغمر القلـــــــــبَ، فيحـــــيا بســـنَّة الإيثــــار

وإذا انتقلنا لاستعراض الصور اليومية المشاهدة في حياة الصائمين وجدنا الشاعر محمد ضياء الدين الصابوني يصور لنا حياة الصائمين اليومية من خشوع وتقوى وذكر وتسبيح، فيقول:
وفي رمضان كم خشعتْ قلوبٌ      بذكـر اللهِ، والسـبعِ المثاني
وفي رمضانَ كم غُفرتْ ذنوب      تفتـــح فيه أبــوابُ الجنــانِ
وما أحــلَى ليالي الذكــر فيـــه      تبيتُ وأنت موصول الجَنان
وتسبح في معــارج من كمــال      وتتلو فيه من غُرر البيــان

أما محمود حسن إسماعيل فينقل لنا مشهد ترقب الصائمين النداء في رهبة وخشوع فيقول:
جعلت الناس في وقت المغيــبِ     عبيدَ ندائك العاتي الرهيـبِ
وأتلعت الرقــاب بهم فلاحـــوا      كرُكبان على بلد غريــب

وحين تمر أيام الشهر الكريم سراعا نجد الشعراء يبدون حسرتهم على انقضاء لياليه مذكرين بضرورة اغتنام ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.. وللشاعر أحمد مخيمر قصيدة جميلة يعبر فيها عن ابتهاج المؤمنين بالشهر الكريم وتمضية أيامه ولياليه في عبادة متصلة انتظارا لمقدم ليلة القدر:
أنتِ في الدهر غرة وعلـى الأر      ض سلام وفي السماء دعـــاء
يتلقـــاك عند لقيـــاك أهل الــــــــــــبر والمؤمنـــون والأصفيـــاء
فلهم في النهـــار نجوى وتسبيـــــــــح وفي الليــل أدمــع ونــداء
ليلـــــة القدر عندهم فرحة العمــــــــر تدانت على سناها السمــاء
في انتظار لنورها كــــل ليـل     يتمنى الهدى ويدعو الرجـــاء
وتعيش الأرواح في فلق الأشـــــــــــواق حتى يباح فيــها اللقـــاء
فإذا الكون فرحة تغمر الخلــــــــــــق، إليـــــه تبتـَّــــلَ الأتقيــــاء
وإذا الأرض في سلام وأمــن      وإذا الفجر نشـــوة وصـــفــاء

ويقول أحدهم في ليلة القدر ناصحا بالمسارعة لاغتنامها قبل موافاة الأجل:
لليـــلة القـــــدر عنــد الله تفضـــيل     وفي فضــائلها قد جاء تنزيلُ
فجـــدَّ فيـــها على خيـــر تنـــال به       أجــرا فللخير عند الله تعجيل
واحرص على فعل أعمال تسرُّ بها        يوم المعاد ولا يغررك تأميل
فكم رأينا صــحيح الجســم ذا أمــل        في ليلة القدر لم يبلغـــه تنويل
فتــب إلى الله واحــذر من عقوبتــه       عن كل ما فيه توبيـــخ وتنكيل
ولا تغرنَّـــك الدنيـــا وزخـــــرفُها        فكل شيء سوى التقوى أباطيل

وللدكتور عبد الرحمن الأهدل قصيدة يحث المسلمين فيها على المسارعة بالصلاة والذكر واغتنام ليلة القدر:
شهـر الصيام راحـلٌ       رُوحي لمحبوبي فدا
آهٍ لشــــهر نيِّــــــــر       فيه اهتدى من اهتدى
شهرٍ كروض نضِر       فيه الندى تلوُ الندى
كم راكــع في ليلــه       وكم تراهــم ســـجدا
والكون غنى فرحا        بشــهر صـوم مذ بدا
وكم وكم من تائب         كــم مذنب مــدَّ يــدا
ثمــاره قد أينعـــت       عتقا وعفــوا منجــدا
وليلــة فــي طيـِّــه       فاقــت سنيــنا عــددا
فمن تحــرَّى ليلها        نال المنى والسـؤددا

ويقول بدر شاكر السياب بِمناسبة ليلة القدر:
يا ليلةً تفضل الأعوام والحـقبا          هيجــتِ للقلب ذكــرًى فاغتدى لهبا
وكيف لا يغتدي نارا تطيحُ به           قلـــبٌ يرى هــرم الإســـلام منقلــبا
يا ليلة القــدر يا ظلا نلـوذ به            إن مســنا جاحــمُ الرمضـــاء ملتهبا
يا ليلة القدر يا نورا أضاء لنا            قاع الســماء فأبصــرنا مدى عجـبا
تنـــزَّل الروح رفافا بأجنحــة            بيضٍ على الكون أرخاهنَّ أو سحبا
وللملائــك تســبيح وزغــردة            تكــاد رناتــها أن تذهــل الشــــهبا

وللشاعر عبد الرحمن العشماوي قصيدة بعنوان (أبا العشر الأواخر) يستهلها بالتعبير عن تشوقه للشهر الكريم، ويختتمها بتوجيه اعتذاره لشهر الخير لاستقباله بالدم والدموع مما أصاب الأمة:
عُذرًا – أبا العشر الأَواخر – إننا       نلقاك والدَّمُ والدموعُ سجــامُ
ضمُّوا العراق إلى فلسطين التي       سُلِبَتْ ويُخشى أن تُضَمَّ الشام
والأمــة الغــرَّاء تمضَــغُ ثوبَـها       وَهْنـًــا وتلبـــسُ ذُلَّـــــها وتنـام

ويأمل الشاعر الإماراتي حسين أحمد الرفاعي في عودة رمضان وقد استعادت الأمة عزتها ورفعتها، فيقول:
أملــي كبيــر أن تجــيء وأمتــي     قــد أنجبــت للعــالم الأبطـــالا
تـأتـي وقــد سُـدنا البسيطـة كلها      وتبــدلــتْ أحــوالنــا أحــــوالا

أما الشاعر محمد علي السنوسي فيصف رمضان بأنه أمل النفوس الظامئات وموسم الصيام والقيام والصلوات والدعوات، ويشبه سياحة الأرواح المؤمنة في هذا الشهر العظيم بسباحة أسراب الحمام في الفضاء؛ لأنها تخلصت من الذنوب وتفرغت للطاعة والعبادة والمحبة والسلام فيقول:
رمضان يا أمــل النفــو     س الظامئات إلى السلام
يا شــهرُ بل يا نهــرُ ينـــــــهـل من عذوبتـه الأنـــام
طافت بك الأرواحُ ســا    بحـــة كأســراب الحمــام
رمضان نجوى مخلص      للمســـلمين .. وللســـــلام
أن يلهـــم اللــهُ الهــــدا       ةَ الرشــدَ في كل اعتـزام

ويعبر الشاعر المصري مصطفى حمام عن لذته وسروره برمضان رغم الحرمان والقيد، ويتحسر على مرور الشهر الكريم كما يمر الحلم بالنائم ويتساءل: هل لنا لقاء آخر يا رمضان؟!
حدثونـــا عن راحــة القيد فيــه      حدثونا عن نعمة الحرمان
هـــو للنـــاس قاهر دون قــــهر      وهو سلطانهم بلا سـلطان
قال: جوعوا نهاركم، فأطاعوا       خُشَّعًا يلهجون بالشـكران
إن أيامـــك الثلاثين تمضـــــي       كلذيذ الأحلام للوســـــنان
كلما ســــرني قدومك أشـــــجا       ني نذير الفراق والهجران
وســـتأتي بعد النوى ثم تــــأتي       يا ترى هل لنا لقاء ثان؟!

وأختم هذه المائدة الشعرية بأبيات أراها من أجمل ما قيل في وداع رمضان:
أي شــــــــهر قد تولـــى     يــــا عبــــاد الله عنــــا
حــــق أن نبكــي عليـــه      بـــدماء لــــــو عقلنـــــا
كيف لا نبكـــي لشــــهر      مــــرَّ بالغفلـــــــة عنــــا
ثـــم لا نعلـــــــــــم أنـــّا      قــــد قُبلنــــا أم حُرمنــا

ليت شعري من هو المحــــروم والمطــــرود منـــــا
لا حرمنا الله وإياكم ثوابه وجنته !!

كاتب وشاعر سعودي*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *