رمضان في ذاكرة الشعر العربي

تحقيق: ابتسام عبدالله البقمي

لشهر رمضان الكريم مكانة عظيمة في قلوب المسلمين ونفوسهم؛ فهو شهر القرآن والرحمة والمغفرة والعتق من النار، وفريضة الإسلام الرابعة،والأدب شعراً ونثراً هو ترجمان القلوب وسفير النفوس والمشاعر، نتوقف لنرى كيف كان شهر رمضان في ذاكرة الشعر العربي، ونطرح التساؤلات التالية:

ما الشعر العربي الذي قيل في رمضان، وما ملامح هذا الشعر؟،وما خصائصه الفنية ؟

يقول الدكتور عبدالله بن عبدالرحمن الحيدري:

 

رمضان شهر المغفرة والرضوان، وهو شهر العطايا والهبات وفيض النفحات، وهو شهر إقالة العثرات وإجابة الدعوات، وفيه تزداد العواطف رقة والمشاعر رهافة، وفيه يزداد بر الصالحين وتُسكب عبرات المقصرين، وتقوى العزيمة على جهاد النفس.

والشعراء يتواصل عطاؤهم الشعري الهادف كل حين وعند كل مناسبة تستحق، ومن هنا فهم يستقبلون شهر رمضان بحفاوة بالغة وفرحة غامرة، وهو الزائر الذي يُحيّا بالسلام، والضيف الذي يُستقبل بالترحاب، وهو العزيز الحبيب والمعلم والواعظ،وجامع الشمل وموقظ الإيمان، وليس غريبًا أن يُحسنوا استقباله وأن يلهجوا بذكره والإشادة به، وأن ينطلق خيالهم في جوّه جو الصفاء والإشراق.

وبالنظر إلى ديوان الشعر العربي نجد قصائد عديدة قيلت في رمضان، وبخاصة من شعراء العصر الحديث، ومن بينهم: وليد الأعظمي من العراق، ومصطفى صادق الرافعي، ومحمد مصطفى حمام، ومحمد عبدالرحمن صان الدين، ومحيي الدين عطية  من مصر، ومحمد ضياء الدين الصابوني، ومصطفى عكرمة، وأحمد محمد صديق من سوريا، ومحمد العيد الخليفة من الجزائر، وغيرهم من الشعراء في الوطن العربي الكبير.

كما نجد للشاعرات في هذا المجال إسهامًا، وممن كتبن قصائد في رمضان: الشاعرة المصرية روحيّة القليني، والشاعرة العراقية صابرة العزي.

وللشعراء السعوديين سهم وافر من الشعر الرمضاني، وممن كتبوا قصائد في هذا الشهر الكريم: عبدالقدوس الأنصاري، وأحمد إبراهيم الغزّاوي، وحسين عرب، ومحمد بن علي السنوسي، ومحمد بن سعد الدبل، وأحمد عبدالسلام غالي، وعلي أبو العلا، ومحمد هاشم رشيد، ومحمد بن سعد بن حسين، وعلي صيقل، وعبدالرحمن العشماوي، ومحمد الخليف، وغيرهم.

بل إن الشعر الذي نظمه الشعراء السعوديون في رمضان كان مدار رسالة جامعية للباحث عبدالله بن محمد الغفيص، وعنوانها “شهر رمضان في الشعر السعودي: دراسة موضوعية وفنية”، ونوقشت في عام 1426هـ/2005م؛ مما يؤكد وفرة الشعر في هذا الإطار.

أما أبرز خصائص الشعر الرمضاني، فيمكن الوقوف على لحظات الفرح والسرور لقدومه، وإبراز مظاهره: الصوم نهارًا والقيام ليلاً، وتذكر الأحداث الإسلامية العظام التي حدثت فيه، وبخاصة غزوة بدر الكبرى، ثم نجد التهلف والحسرة على تصرم أيامه وانقضاء لياليه، وكل هذه المعاني عبّر عنها الشعراء بصدق وبعواطف جيّاشة ظهر أثرها جليًا في معظم القصائد المنشورة.

ومما يمكن تأمله من الشعر الرمضاني قصيدة “تحية رمضان” للشاعر العراقي وليد الأعظمي، يقول:

يا غافلاً شعبانُ شدّ رحاله

 

 والبدرُ عاد كما تراه هلالا

 

رمضانُ يا خيرَ الشهورِ تحية

 

 تُضفي عليك من الجلال جلالا

 

خذها يفوحُ عبيرُها من مؤمن

 

 يبغي لك التعظيمَ والإجلالا

 

إن الصيامَ عبادةٌ سرية

 

 والسرُ أوسعُ ما يكون مجالا

 

“الصومُ لي وأنا الذي أجزي به”

 

 صدق الحديثُ وصحَ عنه تعالى

 

وعندما ينتصف شهر رمضان، ويحل اليوم السابع عشر منه، يتذكر الشعراء غزوة بدر الكبرى التي حدثت في هذا اليوم، وممن تفاعل مع هذه المناسبة الشاعر السعودي علي صيقل الذي كتب قصيدة عنوانها “رمضان وأجمل الذكرى”، وصاغها بلغة سهلة نابضة غنية بالمعاني والألفاظ الرشيقة، ومما قال:

وعدتَ إليّ يا رمضانُ

 

 تحملُ أجملَ الذكرى

 

وعادتْ في لياليك

 

 تلوحُ أمامنا البشرى

 

فتبدو غزوةُ الأمجاد

 

 غزوةُ بدرنا الكبرى

 

قلادة كل معركة

 

 تُحلّي الجيدَ والصدرا

 

بها التاريخ كم نادى

 

 وكم غذّى بها سفرا

 

وربما من أطول القصائد الرمضانية التي اطلعت عليها، قصيدة للشاعر الجزائري محمد العيد الخليفة، وعنوانها “شهر الصيام”،وبلغت أبياتها ثمانين بيتًا.

ولعل أهم ما يميز هذه القصيدة تلك اللغة العذبة، وتلك الروح الصافية إذ تناولت موضوعات متعددة، ومعاني كثيرة عالجها الشاعر بكل اقتدار، ساعده في ذلك عاطفة صادقة، ومشاعر فيّاضة، ولغة تتميز بالقوة والجزالة.

يقول الشاعر في مستهلها:

أطلّ على البرية بالسلامِ

 

 ولُحْ باليمن يا شهرَ الصيامِ

 

وحُلّ على بني الإسلام ضيفًا

 

 كريمًا بين رعي واحترامِ

 

وعيدًا باللطائف والهدايا

 

 تعودُ عليهمُ في كلّ عامِ

 

ألمْ يُنزَل إليهم فيك قدمًا

 

 كلامُ الله بُورك من كلامِ؟

 

نفحتَ المسلمين بمثل وردٍ

 

 من القرآن مفتر الكِمامِ

 

وعمومًا:الشعر الرمضاني له حضوره الكبير عند العديد من الشعراء والشاعرات؛ولكن المقام يضيق عن الاسترسال.

 

ويرى الشاعر السوري صالح الحاج:

 

أن شهر رمضان الفضيل له وقع كبير في نفوس الشعراء  منذ القديم فكان له على ألسنتهم سمات وآيات استلهموا من نفحاته وروحانياته أفكارا عبروا بها عما يخالجهم من فرح لمقدمه وحزنا لوداعه.

 لو عدنا للشعراء منذ العصر الإسلامي  القديم إلى يومنا هذا لوجدنا الكثير منهم فاضت قرائحهم تغنوا به

 هذا الشاعر عبد القدوس الأنصاري رحمه الله يصفه بأنه بشرى للقلوب:

 فأهلا وسهلا بشهر الصيام

 يسل  من النفس أضغانها

 ويقول الشاعر السعودي محمد حسن فقي:

 من قبل رؤية وجهك الوضاء

 وعلى فمي طعم أحس بأنه من طعم تلك الجنة الخضراء

 أما شاعرنا العراقي معروف الرصافي فيقول:

 ولكن لا أصوم صيام قوم    تكاثر في فطورهم  الطعام

 فإن وضح النهار طووا  جياعا

 وقد هموا  إذا اختلط النهار

 ولا تنس أن الصيام ليس عن الطعام فحسب؛فالعين  تصوم بغض الطرف عن الحرام، واللسان يصوم عن الكذب والغيبة،وكذا الأذن واليد والرجل وكل الجوارح.

 يقول شاعرنا حسين عرب:

 بشرى العوالم أنت يا رمضان

 هتفت بك الأرجاء والأكوان

 لك في السماء كواكب وضاءة

 ولك النفوس المؤمنات مكان

 وهناك الكثير ممن تغنوا به كالشاعر عمر بهاء الأميري والسياب وشوقي وغيرهم.

 يبقى رمضان ملهماً لقلوب الشعراء لما له من مكانة عالية في نفوسهم،واسمحوا لي ختاما أن أقدم ما كتبت متأثرا بروحانية هذا الشهر:

 هلَّ الهلالُ فهلَّت الأفراحُ

 رمضان أقبلَ عطرهُ فوَّاحُ

 هيَّا ازرعوا في كرمه حسناتكم

 فغداً تفيضُ وتترعُ  الأقداحُ

 حان القطافُ  فسارعوا في جنيها

 في كلِّ يومٍ تكثرُ الأرباحُ

 رمضان قلبي في غرامك مدنفٌ

 شهرٌ تهيمُ  بحبِّه الأرواحُ

 ربَّاهُ إنِّي في ثوابك طامعٌ

 خذني بعِطْفكَ  علَّني أرتاحُ

وتعقب الكاتبة الإماراتية موزة عوض:

 

في سيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه جمع الناس للتراويح على إمام واحد في رمضان الثاني من حكمه،ورأى الناس في ذلك خيراً عميماً،واستمعوا إلى ترتيل واحد شنف آذانهم،وعكفوا على تلاوته آناء الليل مع التسبيح وغيره من الأقوال والأعمال الصالحة ليل نهار،وبرز دور الشعر في تخليد مثل هذه الصورة؛إذ قال الشاعر:  

جاء الصيام فجاء الخير أجمعه

 ترتيل ذكر وتحميد وتسبيحُ فالنفس تدأب في قول وفي عمل صوم النهار وبالليل التراويحُ

 كان الشعر في رمضان في تلك العصور محور اهتمام حسي متى ما جاشت المشاعر، وارتأت الأقدام،والقلوب إلى المساجد للصلاة والدعاء؛ففي وقت التراويح تفوح رائحة العشق الإلهي بشكل روحاني جميل.

 المسلمون يستبشرون برؤية هلال رمضان ويستقبلونه بالفرح؛لأنه ضيف مميز وفريد؛ لهذا كانت لديهم تلك الطقوس العظيمة في استقباله،والتهليل والتكبير،ويهنون بعضهم البعض؛ لهذا كان لشهر رمضان عند شعراء المسلمين محبة عظيمة،وقصائد لها رائحة زكية كيف لا وهم يعيشون هذه الأجواء بكل روحانية إلهية تقربا إلى العفو والصفح إلى الله..

قالَ أحدُ الشُّعرَاءِ مُخبِرًا بِمَجِيءِ شَهرِ رَمضَانَ :

أَتَى رَمَـضَانُ مَـزْرَعَـةُ العِـبَـادِ……لِـتَـطْهِـيرِ القُلُوبِ مِنَ الفَـسَادِ

 فَـأَدِّ حُـقُـوقَــهُ قَـوْلًا وَفِـعْـلَا……وَ زَادَكَ فَـاتِّـخِــذْهُ لِلْــمَـعَـادِ

 فَمَنْ زَرَعَ الـحُبُوبَ وَمَا سَقَاهَا……تَــأَوَّهَ نَادِمًــا يَـوْمَ الـحَـصَـادِ

 وتتضح رؤية الشعراء والأدباء في وصف الشعر في رمضان بالتعظيم والتكريم والنصح والإرشاد..

ومن خصائص الشعر في تلك الحقبة أو عندما يتخلله شهر رمضان المبارك.

 فن خاص وجميل،ويوزن من حيث اللفظ والمعنى والوزن، واتجاهاته بعيدة جداً عن الغزل والمديح،وإن  كان الثناء يرتبط في الشهر الفضيل،وهذا من مميزات الشعر العربي والفصيح عند الشعراء.

7 thoughts on “رمضان في ذاكرة الشعر العربي

  1. ما أجمل وما اشمل هذا المقال. لقد شمل ذكريات العصور الماضية والحاضره وهو بذلك اذ يصور وقائع وأحاسيس تاريخيه.

    شكرا جزيلا.

  2. مشاء الله تبارك الله
    أحسست أن ليالي رمضان
    الناس الطيبين قد عادت
    شعر وحكاوي سيرة الصحابه رضي الله عنهم
    رجعتينا للزمن الجميل
    احييك استاذتي الكريمه

  3. لله دزك أ.ابتسام على هذا التحقيق الشامل والوافي عن شهر رمضان في عيون الشعر والشعراء .. إنه تحقيق نوعي وجميل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *