نظرية الشعر عند الثبيتي من شعره

 

نظرية الشعر عند الثبيتي من شعره

 

بقلم أ.د / راضي جلال عبد الحفيظ

أستاذ مشارك بكلية العلوم والآداب برنية فرع جامعة الطائف

     سمي الشاعر شاعرا؛ لأنه يستطيع التعبير عمّا يشعر به، فالناس جميعهم يشعرون بما يدور حولهم؛ ولكنه الأديب وحده سواء أكان شاعرا أم ناثرا يستطيع ترجمة ما أحاسيسه عبر الموهبة التي منحه الله إياها.

   ومرحلة الإبداع تمر عند الشاعر بمراحل كثيرة هي: العاطفة وفيها يحس الشاعر بما يحدث حوله، ثم الفكر الذي يقوم بصياغة تلك الأحاسيس ولمّ شعثها، ثم الصورة التعبيرية التي يقوم فيها الأديب بتجسيد تلك الأفكار وصياغتها في شكل قصيدة أو قطعة أدبية مكونة من ألفاظ وصور فنية وموسيقى، وكلها تتضافر في تكوين وتجسيد رؤية المبدع تجاه ما يشعر به. إذن التجربة الشعرية أو القصيدة عند إنشائها لا تأتي عفوا ولا كيفما اتفق إلا في بعض قصائد المناسبات التي قد تأتي ارتجالا؛ ولكنها تمر بمرحلة مخاض شديدة، يكابد فيها المبدع المشاق في سبيل اقتناص كلماته أو تكوين صوره.

   وكثيرون هم من وصفوا لحظات تلك المعاناة الإبداعية، وما يعتريهم خلالها من فتور وتعب في سبيل الفوز بألفاظ معبرة ومناسبة لتجربته، ووصف لحظات الإبداع قديمة وموجوده في التراث الشعري من زمن الشعراء الجاهليين وحتى اليوم فمثلا نجد شاعرا يقول:

أبيت بأبواب القوافي لعلني     أصيد بها سربا من الطير نزعا

أكالئها حتى أعرس بعــدما      يكون سحــير أو بعيد فأهجعها

  فهو يصف لنا مدى المعاناة التي يكابدها في سبيل تكوين خطابه الشعري، ساهرا يطلب الألفاظ التي قد تستعصي عليه ثم يختار منها ما يستجاد ويناسب تجربته، وهو لا يدركها إلا بعد التعب والجهد المضنى.

   وفي العصر الحديث تواصلا لذلك التقليد يصفون ما يحدث لهم أثناء الإبداع ، إيمانا منه بمدى أهمية تلك اللحظات التي تتمخض عنها القصيدة التي تمثل عنده الحلم والأمل ؛ لذك هو يشيد بها ، ويعمل على إنتاجها كاملة من أي مثالب .

  ومن هؤلاء الشعراء محمد الثبيتي وهو شاعر ذو تجربة ناضجة تقدم خطاباتها الشعرية في شكل مغاير حيث يعتمد الشعر الحر وسيلة له ، ونحاول في هذه الأسطر رصد لنظرته للفن الشعري من خلال ديوانه الذي يضم بعض الأفكار عن ما يمكن أن نسميه نظرية الشعر عنده ، نلم شتاتها من القصائد ، وننسق أطرها في الخيوط التالية :

  • الحديث عن مفهوم الشعر ووظيفته
  • وصف حالات الإبداع
  • القضايا المتعلقة بالشعر

وهذه المحاور التي تحدث عنها تقترب من الاقتراب من قوانين الشاعرية عنده ، نحاول عرضها للاقتراب من عالمه

  • مفهوم الشعر :

يكاد يقترب هذا المفهوم الذي قدمه الشاعر خلال ديوانه من المفاهيم المتوارثة ، فالشعر يعبر عن نفس قائله ، فيقول :

نريد الشعر أن ينزل إلينا

يخاطبنا

يحلق في سمانا

يمارس بين أعيننا العبادة

نلوذ به

ونهرب من متاعبنا إليه

فيلقانا وقد ألقى عناده (1)

    يتضح من الأسطر الشعرية أننا نريد من الشعر أن يقترب منهم بألفاظه فلا يستخدم المفردات التي تتعالى على الإنسان البسيط أو المتعلم أو تكون ألفاظا قاموسية متوارثة من الجاهلية لا تعبر عن الحالة الراهنة للمثقف العربي ، بل لابد أن تنزل إلينا بطباعنا وثقافتنا المعاصرة والقضايا التي تمس المجتمع، فلا تحدث قطيعة بين الشعر والمتلقي ، بل يمكن أن يكون هنالك كمال اتصال بينهم إذا تخلى الفن عن قواعده الجامدة أو المفاهيم الكلاسيكية له في حالة الفصام بين الفن والمجتمع وتعالى الفن في أبراجه العاجية ، فالثبيتي لا يريد هذا المثال وإنما يريد المفهوم الأقرب إلى حالة الإنسان العادي يعبر عنه ، يبث شجاياه من خلاله ويكون المترجم والناقل عن واقعها .

  الشعر / المعاناة

لا يخرج النص الجيد إلا من خلال مبدع ماهر متقن، يصهر ذاته في بوتقة الفن ليخرج فنا متميزا؛ لذلك الإبداع / القصيدة في نظره تحتاج إلى تمهل ورويّة ومكابدة معاناة، فيقول:                                   

القصيدة

إما قبضت على جمرها

وأذبت الجوارح في خمرها

فهي شهد على حد موس

   فالقصيدة / النص يحتاج إلى جهد ومعاناة لإخراجها للمتلقي ، فهي كالجمر المتقد الذي لا تستطيع التمسك به وسرعان ما يفر ، ولا بد من المعاناة والتفاني فيما سوى النص ، فهي تحتاج إلى وجد صوفي وفناء بالكلية فيه وتتجه بجوارحك إليه ، فهي غنم وشهد ووصول ولكن بعد التعب والمعاناة والإرهاق الجميل والوصول إليها صعب ، فهي شهد على حد موس ، فلابد من البذل كي تنال ، والسير كي تصل .

   وفي سياق آخر يقول واصفا المعاناة التي يعيشها في لحظات الإبداع:

وأجوب بيداء الدٌّجى

حتى تباكرني صباحاتُ الحِجا

أرقا

وظامي .

أني رأيت …..ألم تر؟

عيناي خانهما الكرى

وسهيل ألقى في يمين الشمس

مهجته وولّى ، والثريا حلّ في

أفلاكها

بدرٌ

شآمي

     يصف الشاعر معاناته التي يلاقيها حيال إبداعه، فهو لايجلس متكئا تواتيه الموهبة إلهاماً يلقى عليه؛ ولكنه يسهر ( يجوب بيداء الدجى) مفكرا في إنشاء تلك القصيدة ، حتى يطلع عليه الصباح وهو مؤرق تعب ظامئ ، وعيونه مفتوحة لايدركها النوم ، وهو امتداد لأجداده الذين أرهقتهم لحظات الإبداع وأتعبهم البحث عن الألفاظ التي تناسب موضوعاتهم .

 وتواصلا مع وصف تلك الحالة في سبيل الفوز بمبتغاه يقول:

أمضي إلى المعنى

وأمتص الرحيق من الرحيق

فأرتوي

وأعلُّ

من

ماء

الملام

وأمرّ مابين المسالك والمهالك

حيث لا يمٌّ يلمّ شتات أشرعتي

ولا أُفقٌ يضم نثار أجنحتي .

  إن الوصول إلى المعنى / الشعر يتطلب المعاناة ، فهو يخوض الصعاب (الحريق) حتى إلى الإبداع المميز (الرحيق) ويروى ظمأه من ماء الملام ويمر ما بين المهالك وهى متاهات الإبداع في انتقاء الألفاظ ، ويرى نفسه بين الشتات مبعثر القوى ، لا أحد يضم ذلك الشتات وكل تلك الصعاب يبذلها في سبيل الوصول إلى إبداعه .

  وتواصلا لهذا الجو يقول:

أمضي إلى المعنى

وبين أصابعي تتعانق الطرقات

والأوقات ينفض السّراب عن الشراب

ويرتمي

ظلي

أمامي

   فهو يصر اقتناص المعنى / القصيدة رغم المتاهات والطرقات التي يمر بها ، ويعرض نفسه للتيه والحيرة ، ويسير في طريقه الصعب رغم السراب حتى يصل إلى الارتواء / الوصول / الشراب / الإبداع تلبية لرغبته في إنتاج خطاب شعرى جيد متميز .

  وهو ما زال في تعبه وسهره وسهده وبحثه عن المعنى / الذات / الشعر فيقول :

في ساحة العثرات

ما بين الخوارج والبوارج

ضج بي

صبري

وأقلقني

مقامي

 ما زال يتنقل متعثرا في ساحة الصعاب / العثرات / السهر / القلق بين الأفكار حتى نفد الصبر ، واستبد به القلق والضجر ، ورغم كل الصعاب أيضا ما زال مصرا على تحقيق مطلبه فيقول : 

فمضيت للمعنى

أحدق في أسارير الحبيبة كي أسمها

فضاقت

عن

سجاياها

الأسامي

   ورغم الصعاب التي يواجهها ، يصمم على الوصول إلى المعنى في قوله فمضيت إلى المعنى الذي ظهر بعد لأي وتعب شديدين ، وبدأ في التحدق في المعنى / القصيدة مزهوا بما حقق ، يبحث لها عن اسم لها فلا يجد ما يناسب ذلك الجهد المبذول فلا يجد وصفا يليق بها ؛ لأنها تمثل عنده بعدا آخر فلا تقتصر على مجرد الكلمات بل هي كما يقول :

ألفيتها وطني

وبهجة صوتها شجني

ومجد حضورها الضافي مناي

وريقها

الصافي

مدامي

  هو يؤطر ما أبدعه ترميزيا في صورة المحبوبة التي تشير إلى القصيدة / المرأة فهي عنده الوطن ، وصوته المعبر عنه وحضورها في صورة تليق بها هو مبتغاه ومقصده ، ورحيقها وريقها مدام له الذي يشعر معه باللذة حين يبدعها ماثلة أمامه مجسدة ؛ فيهتز فرحا بها ، وكل هذا الجهد الذي يبذله في ذلك الإبداع ؛ إيمانا منه بقيمة الفن الذي تعززه الموهبة الصادقة الواعية ، وهو لا يتأتّى إلا لمن وهب تلك الطاقة فيقول :

فحتام أنت خلال الليالي تجوس

وعلام تذود الكرى

وتقيم الطقوس

وألف من الفاتنات الأنيقات يفرحن

ما بينهن عروس

ولا أنت أوتيت حكمة لقما

ولا هن أوتين فتنة يوس

  يدرك المبدع أن الشعر موهبة ربانية ، لا يدركه إلا من أوتي تلك الموهبة ، أما من لا يملكها ، فلا تفلح المحاولات بالقراءة والاطلاع اذا لم تكن هناك جذوة الإبداع والموهبة المتقدة في النفس ، فلو انفق ليله سهرا وتفكيرا ، كما انه لا يحسن اختيار عرائس الكلمات التي غالبا تكون ناقصة الجمال ، فل هن أوتين جمال يوس والنقص في الكلمة يوسف يوحي بنقص الجمال فيهن ، كما أن نقص الموهبة عنده كما أشارت كلمة لقما التي توحي بنقص الحكمة / الموهبة عنده .

  مما سبق ندرك أن الشاعر عندما يبدع يقع تحت مؤثر قوي يملك عليه نفسه ويسهر طلبا لنيل الكلمات وصياغة جيدة لخطابه الشعري .

   ومن القضايا النقدية التي ناقشها في خطابه الشعري : التجديد ويشمل المحاور الآتية :

التجديد في الشكل :

   يثور الشاعر على الشكل القديم للقصيدة والأوزان الخليلية ؛ لأنها في تقيد حركة المبدع فيقول :

 أيرضى الشعر أن يبقى أسيرا

تعذبه محاصرة الخليل

وأغلال الوليد أبي عبادة

   التقيد بالأوزان الخليلية والسير على نظام القصيدة العمودية تحد من عملية الإبداع وتقيد حرية المبدع ويحصر الدلالات في نطاق التفعيلة الموحدة ، كما يدعو الشاعر إلى أن يتخفف الشعر من الأغلال البديعة والزخرفة الشكلية التي اعتلته وأعلته ، وأدت – في نظر الشاعر – إلى غياب الدلالة تحت وطأة البديع المتكلف . فالشاعر يتبنى الحداثة في شكل الشعر فهو لا يعتمد الشكل التقليدي لنصوصه ؛ وإنما يسير على درب التجديد متخذا الشكل الجديد وعاء لإبداعه ، ويدعو إلى ترك القديم .

  التجديد في دور الشاعر :

  ظل دور الشاعر في التراث محصوراً في إبداع القصيدة ، مستسلم للإلهام الذي يأتيه ، ينحصر خطابه الشعري في تكرار الموضوعات ونمطيتها فيقول :

ويبقى كاهنا من عصر عاد

تلاشت في ملامحه الأماني

فلا شقاء

يلوح بناظريه ولا سعادة

تمر به الليالي وهي نشوى

فيهرب من مسيرتها

بعيدا

ويغرس مرفقية على وسادة

وترقص حوله الأفراح شوقا

فيرتسم التعجب في خطاه

وتضحك في محياه البلادة

فينسى نفسه

وينسى عصره

ويظل يتلو

تراتيل التنطع والزهادة

وينبش مقبرة قديمة

ويلقى في مسامعنا قصيدا

وشعرا قيل في عام الرمادة

   ينعي الثبيتي على الشاعر الذي ما زال يمارس وظيفة الكاهن يتنبأ ويتحدث رجما بالغيب ، ويعيش منعزلا عن مجتمعه وقضاياه ، ويندد  الثبيتي  بالفصام الذي لحق بوظيفة الشاعر حين تخلى عن دوره ،ولم تغير الأحداث التي تدور حوله  من موقفه ، ولا تهزه تلك المشكلات ، وينسى الدور المنوط به في المشاركة والتعبير عن هذه الأحداث ،ويتغافل عنها ، ويظل خطابه يدور في موضوعات لا تتصل بواقعه ، وتحدث القطيعة وهو ما لا يريده الثبيتي ، بل يريد شاعرا مشاركا في أحداث وطنه مترجما عنها .

  التجديد في التصوير :

  كما ينادي الثبيتي بالتجديد في الشكل ينادي أيضا بالتجديد في المضمون من ناحية التجديد في الموضوعات ، والتصوير ، واللغة ، فنجده في التصوير يريد أن يبتكر صورا جديدة ، ولا يكرر القديم فيقول :

أفيقوا أيها الشعراء إنا

مللنا الشعر أغنية معادة

مللنا الشعر قيدا من حديد

مللنا الشعر كيرا للحدادة

مللنا الشعر مسلوب الإرادة

مللنا وصف كعب بن زهير

للون حمامة أكلت جرادة

ووقفة عنترة العبسي يوما

يعاتب في ربا نجد جواده

وأوهاما يصورها لقيس

شذا القيصوم في أردان غادة

    ينعي الثبيتي على الشاعر القديم هذا الفصام النكد الموجود في الخطاب الشعري القديم ، وذلك التكرار الملول سواء في الأغراض أو الأوزان التي تغله بأغلال عتيقة تعوق مسيرته الفنية ، وتحد من إنتاج الدلالات فيه ، كما يعيب التصوير المعاد والمتوارث والسذاجة فيه مثل تصوير الحمامة وهي تأكل جرادة ، وهو إجراء يؤكد انفصام الذات عما يدور حولها والانسحاب من الواقع ، الأمر الذي أدى إلى تخلى الخطاب الشعري عن دوره ؛ لأنه لا يعكس صورة المجتمع لا في صوره الفنية ، وهو يريد أن يكون التصوير مبتكرا يعاصر الحياة ، ويعكس مفردات البيئة الجديدة ،ويكون مسايرا لها .

التجديد في لغة الشعر :

     لا شك أن للغة في الأدب عموما والشعر خاصة دورا مهما فهي حاملة لأفكار المبدع الذي يتعامل معها بمبدأ الانتقاء والاختيار وهي الصورة المادية للفكر عند الشاعر خاصة عندما يوفر لها مثيرات أسلوبية تعمل على تحفيز وانطلاق الدلالة ، ومن ثمّ وجب على المبدع تبني لغة تساير إبداعه في المظهر اللغوي وطبيعة الظروف في البيئة .

 من هذا المنطلق أراد الثبيتي أن يمتد التجديد في نظره إلى اللغة فيقول :

فيلقانا

وقد ألغى عناده

ولا يغضب

إذا ما قيل يوما

بنات الشعر مارسن الولادة

صبغن شفاههن بألف لون

والغين الخلاخل والقلادة

وارتدن الفنادق والمقاهي

ورافقن الطبيب إلى العيادة

   جاء الحديث عن التجديد في لغة الشعر في سياق الحديث عن التجديد في وظيفته ودوره ، فلابد للفن الشعري أن يتخلى عن تمسكه بألفاظ قديمة خشنة تغرب على المتلقي ، ( عناده) أي قيوده القديمة التي فرضه على لغته بأن تكون مغرقة في القاموسية لا يتوصل لمعناها المتلقي إلا بالرجوع إلى الخلف وينبش في الأزمان السحيقة حتى يفهم معنى اللغة ؛ ولذلك لابد أن يطرأ تغيير على الألفاظ أن تعكس تعاملات الناس في أزمانهم وان تتخلى عن القديم ( الخلاخل والقلادة ) رامزا بها إلى القديم ، قد حدثت تغيرات وأنتجت ألفاظا جديدة ( مارسن الولادة ) متنوعه وكثيرة ( ألف لون ) وتعددت مجالات التعبير ومنابعه ، فأصبحت تعكس حياة الناس في مختلف أنواعها وطبقاتها ، وتصور لغة المقاهي والفنادق واللغات العلمية كالطب والهندسة التي دخلت في قاموس اللغة الجديد.

  مما تقدم يتضح أن الثبيتي يدشن – من خلال خطابه الشعري – لصياغة ما يشبه نظرية تتمثل في تبني مبدأ التجديد في كافة عناصر الخطاب الشعري من ناحية الشكل والمضمون الذي يشمل الصورة واللغة والموسيقى ، ومن هنا يعتبر الثبيتي من المبدعين المجددين في المملكة العربية السعودية .

 

تحميل الملف من هنا 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *