الاختلاف مع النفس

بقلم: عبدالحميد البجالي*

خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، وجعله مكرما على بقية المخلوقات، ((ولقد كرمنا بني آدم))، وهذا التكريم مؤداه التفرد والتميز، والاختلاف عن سائر المخلوقات، فكل إنسان ينفرد بصفات وسمات تخصه وتميزه عن غيره، بينما كل عضو في الجسد الواحد له خصائص مختلفة عن الآخر، سواء كانت مظهرية أو جوهرية، فأجسادنا تنطوي على نظام دقيق مبهر، من حيث تنوع الأجهزة وتكاملها أو اختلافها في أداء الوظائف على حد سواء، (( وفي أنفسكم أفلا تبصرون))، والناظر في النفس البشرية يلحظ ذلك الاختلاف المفضي إلى الاتفاق والاجتماع، مع ذاتها وغيرها ، فالاختلاف سنة كونية، وسمة خلقية، ووسيلة تعايشية، والكون على ما فيه من تعدد واختلاف مسخر للبشر؛ بل إن الاختلاف نفسه قد يكون من صلب ذلك التسخير
والنفس البشرية مهيأة لتقبل ذلك، فخلقت من مزيج تنوع وتعدد لتقبل الاختلاف الخارجي، والتعايش معه، وهذا سر عظيم أودعه الله فيها، لتتواءم مع الطبيعة الكونية المختلفة، والبيئة المحيطة المتعددة، كي لا تنظر للاختلاف نظرة مستنفرة مفضية إلى الخوف والازدراء والتشاؤم، ومن ثَم تعطب الفرد عن أداء واجباته ومهامه، فيظل معطلا ونافرا ومنزويا عن الحياة الدنيا وشماريخها وتموجاتها.

وهذا مدعاة للتصالح وفتح الصدور للاختلاف الذي يمثل حلقة الوصل بين المخلوقات، ومن يسعى جاهدا في إزالة الاختلاف ومحوه من الوجود، ومحاولة طبع الناس على نسخة مكررة، فليحاول إزالة ذلك من نفسه، ويجعل كل جزء منه مشابها تماما للجزء الآخر، ويحث الجهود لقولبة الدماغ والقلب واللسان والعينين والأذنين واليدين وبقية الأعضاء لتأخذ صورة موحدة، فيصبح على منوال واحد، وعلى سجية لا تتبدل.

هذا السر الرباني الذي طبعنا عليه ، يحيي في نفوس الذين يعقلون تقبل الاختلاف على تنوعه بانشراح وتفاؤل، والبعد عن استعدائه واستنكاره تطبيقا لا تنظيرا، ولعل الكثير من الناس حينما يأتي الحديث عن الاختلاف يُسلّمون بإيجابيته في بادئ الأمر، ويمتدحون ثمراته، ويذكرون فضل التنوع والإثراء؛ ولكن حينما يصبح التنظير في مواجهة التطبيق، تختل القاعدة ، وتتباين المواقف، فالكثير ينسلخون من نظرتهم الحميمية تجاه الاختلاف، ويركنون إلى العدائية والرفضية، والتحجير على تلك الآراء المناهضة ، والسعي الحثيث للإطاحة بأصحابها، تمجيدا للنفس، وإسقاطا للآخرين، وذلك يفتح باب المواجهات والمماحكات على مصراعيه، وهذا لا يصدر إلا من محدودي التفكير، الذين ينظرون للأمور من ثقب إبرة، حيث يمثل لديهم الاختلاف قضية كبرى، وبوابة متناهية المساحة تلج من عتباتها المشكلات والخلافات، وذلك ناجم عن دفاعهم الأعمى عن ذواتهم.

هذا التعصب الأناني يصور الإنسان أمام نفسه محل اعتداء، فينبري لهذه الدعوة الباطلة، مطالبا بإسكات الأفواه، ومصادرة الآراء، وتصنع منه خصما لدودا للتغيير والتطوير، نتيجة نظرته المنسدلة من زاوية واحدة، فيحجب عن نفسه التنوع والتعدد، والاتساع والتجدد.

منعطف أخير..

الإطار البشري واحد، والتكوين الشخصي مختلف، وكل جزء في جسد الإنسان مختلف عن الآخر، والكون بأسره مبني على الاختلاف، وهذه حكمة عظيمة ، وجبلّة في المخلوقات، من تأملها حق التأمل فتح الأبواب برحابة للتعايش وقبول الآخرين على اختلاف مشاربهم.

كاتب سعودي*

One thought on “الاختلاف مع النفس

  1. احسنت والى الامام

    واعتقد ان الجيل الحالي والقادم سوف يركز على التبيطق مع وجود الكثير من التنظير 😊
    على عكس الآجيال السابقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *