دلالة الدال المدلدلة

شاهر النهاري*

 

مجتمعاتنا العربية محكومة بالألقاب ذات الدلالات المدلدلة على كل جبين، لأن صاحب اللقب عندنا حتى وإن كان وهمياً أفضل حالاً ومنزلة وقيمة ومكانة ممن يملك كل المعطيات الحقيقية، ولكنه يعيش بدون ألقاب، فلا يقال له: والسبعة أنعام، ولا يقابل بعبارة: أجدع ناس!.

مجتمعات يفتح الطفل عينه فيها بأوامر الالتزام بالألقاب، فيؤمر ألا ينادي على من هو أكبر منه باسمه، فهذا أبو فلان، وهذه أم فلتان، ويستغرب كثيراً، فحتى أخوه الأكبر منه لا يمكنه أن يناديه باسمه مجرداً.

هذا الطفل لا يلبث أن يجد له لقباً هو الآخر، فينادي عليه أصحابه من الصبية (بأبو) قبل أن يحيط بمعنى ودلالات اللقب!.

وينظر من حوله، فهذا شيخ، وهذا مطوع، وهذا عمدة، وهذا عم، وخال، وسيدي، وأبيه، وهذا سيد، وهذا أستاذ، وهو يعلم أن أغلب كل تلك الألقاب زائفة، ولا تنطبق على أغلب من يحملونها.

سنوات بسيطة، ويرفض الطفل حتى هو أن ينادي عليه أصحابه باسمه خالياً من الألقاب، فيخترع له لقباً، قد يكون أبو أبوه، أو أن يتخير من الألقاب ما يترك عند الآخرين انطباعا بأنه شجاع، أو كريم، أو ذكي، أو ما سواها، وفي كثير من الأحوال يهبه أحد أقاربه لقباً، إما أن يكون جميلاً، وإما أن يكون مسبة ومنقصة تستمر معه طيلة عمره.

مجتمعات لا يوجد فيها قيمة للاسم المبتدأ، الذي يطلق عليك في الصغر، بل إنه مجرداً يصبح معيباً، عندما تصل إلى مرحلة الشباب.

وبناء على تلك العادات والعقليات والطبقيات، تجد أن الطالب بعد أن يتخرج من الثانوية، يصبح لقبه دكتورا، أو مهندسا، أو أستاذا، أو شيخا، وحسب الجامعة التي ينوي الالتحاق بها!.

وينفخ أوداجه، فبهذا اللقب ينادي عليه المجتمع، ويعاتب من يذكر اسمه مجرداً، وهو في قرارة نفسه يعلم أنه لقب مزيف، أو على الأقل ناقص وليس حقيقياً، ولكنه يقيناً يعرف أن قيمة الإنسان تزداد أو تنقص بمجرد تخصيصه بلقب.

فلا تستغرب بعد ذلك أن تجد من يربي ذقنه ليحصل على لقب شيخ، ولا من يبعثر فلوسه ليقال إنه مليونير، ولا تتعجب حين تجد من يشتري شهادة وهمية ليقال عنه دكتور، ولا أن تجد من قد نسي اسمه الأساسي من كثرة ما يحمل من الألقاب.

وللأسف فإن الجهات الرقابية لم تتمكن من محاسبة هؤلاء المدعين، ممن اشتروا دال الوهم المدلدلة على جباههم، لتزيدهم عجرفة، تجعلهم يغضبون من مجرد مناداتهم بأسمائهم مجردة.

الوظائف والمناصب مترعة بالدالات المدلدلة، ولا أحد يميز الفرق، فبعضها في تقشير البطاطس!.

دال تشتريها من بريد إلكتروني مجهول، وأخرى من زنزانة نصاب في سجن أمريكي، وبعضها من شقة مفروشة، بها طابعة ملونة، ولا فرق طالما أنها جميعاً تمتلك حسابات بنكية!.

الألقاب تنخر جوف المجتمع، ولا أحد ينجدنا مما يترتب عليها، من خروق تفاضلية، ومناصب مختلة بالوهم، وقيادة للعميان، والألقاب تتعاظم، فكل من جرب أن يكون له دال سعى حثيثاً بماله للحصول على ألف (أرنب)، أو ب (بروفيسور). ويا قلب لا تحزن، فلا أحد يكترث، ولا أحد يمحص، ولا أحد يرحمنا مما يتدلدل على جباه المدلدلين.

كاتب سعودي*

 

One thought on “دلالة الدال المدلدلة

  1. مقال جميل د. شاهر
    كل ما ذكرت من ألقاب تهون عند دكاترة الوهم.
    قلت فيهم يوما ما من قصيدة بعنوان (الدكترة) منشورة في ديواني (شمس تأذن بالرحيل) الصادر عن نادي الطائف الأدبي:
    فـ (الدال) تعني أنكَ الدجالُ قد حاولتَ نشـرَ الزَّيْفِ بين الجَمهرة
    و(الكاف) تعني كاذبًا في فعلِهِ أو فكـرِهِ إن قالَـهُ أو أضْــمَرَه
    ويشيرُ حرفُ (التاء) أنك (تنبلٌ) تركَ المعاليَ والفعالَ الخيِّـــرة
    و(الواو) وهمٌ طولَ عمرِكَ لازِبٌ سـتعيشُه حتى تُوارَى المقبرة
    و(الراء) رَذْلا صرتَ ما بين الورى لا شيءَ تُفلِحُ فيه غيرَ(الفشخرة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *