حتى الإبداع في أروع تجلياته انبثاقٌ تلقائي

حتى الإبداعُ في أروع تجلياته انبثاقٌ تلقائي

 

 

الفيلسوف الأستاذ / إبراهيم البليهي

        التلقائية الإبداعية تكون مصحوبة بأعلى درجات الوعي وأشدها شفافية وإشراقا؛ حيث يكون الوعي متقدًّا وفي أرفع ذراه؛ وهذا لا يتنافى مع كونه اندفاعًا تلقائيًّا. فالأمومة هي أشد الفاعليات الإنسانية أهميةً ونفعًا وصدقًا وإخلاصًا ووعيًا، ولا يُقلِّل من ذلك أنها تأتي باندفاع تلقائي؛ فالأم التي تضحي براحتها وربما بنفسها من أجل أطفالها يكون وعيُها بما تفعل شديدَ التوقُّد لكنها مندفعة إلى التضحية تلقائيًّا، بل وتكون مستمتعة ومبتهجة بالأمومة مهما كبدتها من تعب، ولا يمكن إقناعها بأن تتخلى عن هذا الاندفاع. إن نظرية التلقائية تكشف بأن تلقائية الإنسان ليست فقط في تَبَرْمُجه التلقائي في طفولته ولا في تلقائية استمرار انتظامه واغتباطه بهذا التبرمُج ولا في جموده وعطالته، ولا في توارث الأمم لثقافات أسلافها بشكل حتمي تلقائي، ولا في الرفض التلقائي لما يتعارض مع هذا الاستمرار التلقائي، ولكن الإنسان كائنٌ تلقائيٌّ أيضا حتى في أروع تجلياته الريادية؛ فالفرد الاستثنائي في بداية أمره؛ يشعر تلقائيًّا بالتململ الحاد مما هو سائدٌ في بيئته دون أن يعرف البديل؛ فيُغرقه الاهتمامُ التلقائي القوي المستغرق في التأمل والبحث والمقارنة؛ ثم فجأةً تشرق الرؤية التي ستحدِّد مساره الفكري. فرغم أنه يكون في أقصى درجات الوعي والتعقل إلا أنه يكون مندفعًا تلقائيًّا في البحث عن مسار ثم يبقى مندفعًا تلقائيًّا في المسار المضاد للسائد؛ فالرواد الاستثنائيون؛ رغم أن وعيهم يكون في ذروة الإشراق والتوقد؛ إلا أنهم لا يختارون بمحض الإرادة والتخطيط؛ أن يندفعوا في الاتجاه المضاد للسائد، ولكن تجتاحهم تساؤلات فكرية ووجودية قوية حادة ضاغطة؛ تفصلهم تلقائيًّا عن الاستمرار التلقائي في التيار العام؛ فيندفعون تلقائيًّا في المسار الريادي؛ فالإنسان يظل تلقائيًّا حتى في أرفع تجلياته الريادية والإبداعية، كما في أدنى حالات عطالته وإمَّعيته. لكن تلقائية الرواد المنفصلين فكريًّا عن التيارات الجارية تكون تلقائية مغايرة ومضادة للتلقائية العامة …

        إن فاعليات الناس، وأوضاعهم، واتجاهاتهم، وكل أحوالهم؛ ما هي إلا انتظامٌ تلقائيٌّ على ما وجدوا أنفسهم فيه؛ فاعتادوا عليه وتبرمجوا به. إن التلقائية تتحكم بالجميع: أفرادًا، وجماعات، ومجتمعات، والأمم، والجنس البشري بأكمله؛ إنهم نتاجُ التلقائية، وتتمنَّع قابلياتهم وترتبك وتتلبَّك؛ بقدر إبعادهم أو ابتعادهم عن التلقائية، ولكنهم يجهلون ذلك، ويتوهمون بأن كل شيء يتم بمحض إرادتهم الفارقة الممحصة، ولم يعلموا أن الإرادة ذاتَها، حتى في أكمل صورها؛ ما هي إلا اندفاعٌ تلقائي من الدوافع الحيوية التلقائية، أو مما تبرمجوا به من ثقافات وما يفور في أعماقهم رغمًا عنهم من اهتمامات. إن الاندفاع التلقائي ليس منافيًا للوعي بل قد يكون الوعي أثناء العمليات الإبداعية في أرفع ذراه، فالناس ليسوا تلقائيين فقط فيما تبرمجوا به تلقائيًّا واعتادوا عليه وكوَّن ذواتهَم بل إنهم تلقائيون حتى في أرفع الأعمال العلمية والإبداعية. وهذا لا يُقَلِّل من عظمة الريادة ودورها الأساسي في التقدم الإنساني؛ بل يضاعف هذه العظمة لأنها انتقالٌ تلقائيٌّ وبوعي حاد للضفة المقابلة المضادة؛ فبينما يستمر الناس منتظمين تلقائيًّا في التيار العام من دون أن يخطر على أذهانهم أن يتساءلوا؛ فإن الرواد يندفعون في الاتجاه المضاد وهم يدركون بوعي حاد؛ الفرق النوعي بين وعيهم الخارق، والوعي العام الزائف إن الاختلاف نوعيٌّ وليس اختلافا في الدرجة، فهم يعلمون أنهم يفكرون ويتحركون عكس التيار الجاري؛ فتلقائية الرواد مضادة لتلقائية التيارات السائدة؛ إن اختلاف الرواد رغم تلقائيته هو اختلافٌ شديد الوعي بذاته وبما حوله؛ ومع أن الاكتشافات الباهرة والإبداعات المدهشة تأتي انبثاقًا وانهيالا إلا أن ذلك لا يأتي إلا بعد التشبع والاكتظاظ المسبوق بوعي حاد واهتمام تلقائي قوي مستغرق …

        تلقائية انتظام التقليد، والاعتماد على المحاكاة، والتكيف مع أي وضع، وهيمنة التكرار، واستمرارية المألوف، وتقديس الموروث، وشذوذ الإبداع، واستنكاره، ورفضه تلقائيًّا؛ هي خصائص بشرية عميقة. ولكن رغم هذا الرفض التلقائي للمغاير وقت ظهوره؛ فإن التقدم يتوقف على الأحداث والمصادفات التي تؤدي إلى تبني الأفكار الريادية الخارقة التي كانت مرفوضة. وكما يقول المبدع ميلان كونديرا: ((لا يمكن لفعل عظيم أن يولد إلا من فعل عظيم آخر)) فالرواد أفرادٌ استثنائيون يتحركون عكس التيارات السائدة، وينتظمهم نظامٌ فكريٌّ مغاير للسائد، ومضادٌّ للتلقائية الأوَّلية، فبينما مرَّ على هذه الأرض طوفانٌ من البشر؛ مئات الملايين من الأجيال المتتابعة الذين يتبرمجون تلقائيًّا بما هو سائدٌ في البيئات المختلفة ويبقون مستمرين ومنتظمين ومغتبطين بما تَبرمجوا به تلقائيًّا؛ فإن العظماء الحقيقيين  الذين يتحررون تلقائيًّا من أسْر الانتظام التلقائي؛ لا يتجاوز عددهم في كل العالم خلال التاريخ البشري كله عدَدَ رُكَّاب قطار كبير. بل إن بعض المفكرين يرى أن دائرة الاستثنائيين شديدة الضيق؛ فالفيلسوف الفرنسي ألبير كامو استعرض التاريخ البشري فلم يجد حسب تصوره سوى ثلاثين فردًا استثنائيا كما جاء في كتابه (الإنسان المتمرد) وما من شك بأن الاستثنائيين في مختلف المجالات؛ أكثر من ذلك بكثير لكنهم يبقون أفرادًا قابلين للعد والحصر؛ استثناءً من التيارات البشرية ذات الاستمرار التلقائي؛ باتجاهاتها المختلفة وأممها المتنوعة وأعدادها الكثيفة وأجيالها المتتالية …

          إن الرواد رغم قلتهم، ورغم الرفض التلقائي المتكرر لههم؛ فإن إشراقاتهم الاستثنائية الخارقة؛ هي التي أمدت الإنسانية بما حقَّق لها التطور في كل المجالات. ورغم أنهم يتحركون باندفاع وإصرار ضد التيار السائد؛ ورغم وعيهم الحاد بالحالة التي يعيشونها خارج التيار؛ فإنهم لا يختارون هذه المواجهة الخطرة بمحض التفكير والإرادة، ولكنهم يجدون أنفسهم بوعيهم الحاد؛ مندفعين تلقائيًّا في الاتجاه المضاد للمعتاد، لأنهم ينفصلون فكريًّا عن السائد، بضغط تساؤلات ملحة وإشراقات بازغة؛ إن حساسيتهم للأوضاع، ورؤيتهم للوجود، واستجابتهم للمؤثرات؛ تختلف عن حساسية ورؤية واستجابة عموم الناس، ويَنتج عن ذلك أنهم يندفعون تلقائيًّا في اتجاهات مضادة للسائد. وبهذا فإن التلقائية هي التي تتحكم بالأوضاع البشرية: سلبًا أو إيجابا. إن العلم في أعظم نظرياته، والفن في أجمل تجلياته، والفكر في أروع إشراقاته؛ ليس إلا نتاج الانسياب أو التدفق التلقائي، فبعد تشبُّع أحد العقول الاستثنائية بالأفكار، وبعد التخمر الطويل، وبعد الاهتمام التلقائي القوي المستغرق؛ تنبثق فجأةً؛ نظريةٌ علمية، أو رؤيةٌ فكرية، أو قصيدةٌ مدهشة، أو يبزغ حَلٌّ لمشكلة عايشها المبدع طويلا وبعمق، وكما يصف عالمُ النفس الشهير ابراهام ماسلو حالة المبدع في الحالة الإبداعية فيقول: ((الواقع أن الشخص المبدع في المرحلة الإلهامية من الاندماج الإبداعي؛ ينفصل عن ماضيه ومستقبله ولا يعيش سوى اللحظة الراهنة؛ فهو بجماعه يكون هناك ويكون برُمَّته غائصًا ومفتونًا ومستوعَبًا في الحاضر، في الراهن هنا والآن بإزاء المادة التي يشتغل بها)) فالتلقائية الإبداعية وهي في أعلى ذرى الوعي تكون مسيطرة؛ إنها حالةٌ استثنائية من الاندماج في المشكلة، والاستغراق والانفصال عن كل ما ليس ضمن موضوع الاهتمام التلقائي القوي المستغرق؛ يذوب المبدع في موضوعه فلا يستطيع انتزاع ذاته إلا بعد ولادة الفكرة أو انبثاق الحل …   

         إن هيمنة التلقائية الإبداعية الواعية، وذوبان المبدع بكل إشراق وعيه في موضوعه؛ قد صار من الظواهر المعروفة. إن الفكرة الإبداعية تتخلَّق أثناء الجهد الطويل العميق الساخن، أما البزوغ فقد يأتي والمبدع في حالة انطلاق حر يتيح للفكرة أن تنبثق. وكما يقول الدكتور ماكسويل مالتز في كتابه (السيبرنطيقا النفسية): ((الأفكار المبدعة لا يتم التفكير فيها بصورة واعية ولكنها تَظهر عفويًّا بصورة تلقائية كالصاعقة تنزل من السماء فجأة. ويَحدث هذا عندما يَنسى العقل الواعي المشكلة. بعدما يقوم شخصٌ ما بتعريف المشكلة ويرى في خياله النتيجة النهائية المرغوب فيها ويَجمع سائر المعلومات والحقائق التي يستطيع الحصول عليها فإن الكفاح الإضافي والاضطراب لا يفيد وإنما يعرقل الحل)) وينبِّه البروفيسور جوزيف ويزنبوم في كتابه (قدرة الكمبيوتر والعقل البشري) إلى ضرورة احترام التلقائية فَيُذَكِّر بأن الإنسان إذا تدرَّب على أي أداء؛ حتى أجاده، وأتقنه، واعتاد عليه؛ فإن تدَخُّل الإرادة يربكه، ويتسبب في تدهوره، فطاقةُ الإنسان تتدفق تلقائيًّا بدافع الغريزة والميل والرغبة، أو انسيابًا مما اعتاد عليه وترسَّخ فيه، أو انبثاقا مفاجئًا بعد عمليات مخاض طويلة وعميقة؛ فلابد من إبقاء التلقائية طليقة لا يربكها التدخل ولا يعوقها التردد فيقول: ((ما أنْ يتم إتقانُ العمل فإنه يتدهور عند القيام بمحاولةِ تطبيقِ أحكامٍ واضحةٍ بشكل مقصود)) فلابد من إفساح المجال مفتوحًا للتلقائية وعدم عرقلتها لكي يتدفق الأداء وينبثق الحل؛ بهذه الطريقة المفاجئة بزغت نظرية الجاذبية في ذهن نيوتن وبنفس الطريقة أشرقت فجأة نظرية النسبية في عقل آينشتاين وكذلك كل النظريات الكبرى التأسيسية لا يتم الوصول إليها بطرق البحث الرتيبة. وإنما بعد إحساس قوي بوجود مشكلة تتطلب الحل، وبعد اهتمامٍ تلقائيٍّ قوي مستغرق؛ تبزع النظريةُ فجأةً في عقل استثنائي ريادي، ثم بعد ذلك ينشغل بالنظرية الباحثون والدارسون إما من أجل الاستيعاب أو من أجل التفنيد والنفي أو من أجل الإثبات؛ فنظرية النسبية لم يتم إثباتها تجريبيًّا إلا بعد سنوات طويلة من بزوغها الإبداعي المفاجئ. وبذلك يَظهر حطأ التصور الساذج الشائع عن المنهج العلمي واستخداماته الباردة الرتيبة. إن كتاب (العالم إرادة وتصورا) للفيلسوف المدهش شوبنهاور من أقدم وأعمق الأعمال الفلسفية التي أكدت أن المناهج مهما بلغت لا تخلق مبدعين ولا تُنتج روادًّا فاتحين فالحقائق الكلية العميقة؛ لا تنجلي إلا للذين يندفعون تلقائيًّا برغبة عارمة، وحرارة صاهرة، ووعي حاد، واندفاع محرر؛ بذلك تنجلي. وهو ما لا يتصوره المحرومون من تلقائية الاندفاع بشغف الكشف، ولهفة المعرفة … 

            يقول أرنست دمنيه في كتابه (فن التفكير): ((لا علاج للرتابة الفجة في التفكير إلا التأمل الفاحص في حياة العظماء)) فدراسة التاريخ تكشف بوضوح؛ أن الحضارة قد تطورت بالتكامل بين إشراقات القلة الريادية، واستجابة الكثرة، لكن الناس غالبًا ما يغفلون عن هذا الفرق النوعي بين تفكير القلة والتفكير العام. حيث يسود الخلط بين الأفراد الرواد الذين لا يمثلون في المجموع البشري سوى عدد قليل جدا على امتداد التاريخ وعند مختلف الأمم. وبين عموم المتعلمين الذين يستخدمون مُنجزات الرواد ويطبقونها في مختلف المجالات. أما سبب اختفاء الدور الأساسي المحوري للرواد فيعود إلى أسباب كثيرة ومتنوعة؛ منها إهمال تاريخ العلم، والجهل بالكيفية التي تكَوَّنت بها العلوم، ومنها غياب الاهتمام العام بتكوين تصورات صحيحة عن العلم، ومنها قلة عدد الرواد، فهم لا يخطرون على بال الكثرة، ومنها أن الانشغال العام ليس بالإبداع لندرته بل بالتعليم، وهو يركز على استيعاب المعارف الجاهزة المستقرة، ولا ينشغل بالإبداع، ومنها أن من يجتاز مراحل التعليم بنجاح يُعتبَر في العُرف السائد، قد حقق إنجازًا مهمًّا، أما إذا حقق النجاح التعليمي بتفوق فإنه يعامَل كأنه مبدع، وهذا خلطٌ مضلِّلٌ، ثم إن الذين يقومون بتطبيق النظريات هم العمليون التنفيذيون؛  فهم الظاهرون دائمًا في كل المواقع، فيُنسب لهم كلُّ إنجاز. وقد لاحظ الرواد هذا الخلط ولفتوا الأنظار إليه ومنهم جاليليو الذي لم يتردد بأن يؤكد بأن: ((المرجعية المتجسدة برأي الآلاف؛ لا تساوي لمعةَ ذهنٍ لدى إنسان واحد)) لكن عموم الناس وعموم المتعلمين لا يدركون ذلك. لأنه لا يدخل ضمن الاهتمامات العامة؛ فالرواد وحدهم هم الذين يدركون الخصوصية المحورية لدور الرواد. وعن تمحور التاريخ حول تأثير فرد واحد يقول شوبنهاور: ((ديكارت تبدأ معه حقبة حرة جديدة كليًّا)) وهو ذات المعنى الذي يُعَبِّر عنه آينشتاين فيقول: ((إن المعوَّل عليه حقًّا؛ ليس الأمة بل الفردية الخلاقة الحساسة، فالشخص الفرد هو الذي يحقق الإنجاز النبيل الرفيع بينما سائر القطيع لهم أحلامُ العصافير ولا حساسية فيهم)) إن اعتزال الناس يحمي عقل الرائد ووجدانه من التأثيرات السلبية التي تعجُّ بها الحياة …

          ويتحدث آينشتاين عن حبه للعزلة وابتعاده عن مخالطة الناس وأسباب هذا الابتعاد فيقول: ((لست آسفًا على حرماني عطف الآخرين، أفقد بعض الأشياء ولكني مقابل ذلك أتحرر من عادات الآخرين وآرائهم ومبتسراتهم، فأنا لست مستعدًا للتضحية بصفاء نفسي في سبيل هذه الترهات)) ويضيف: ((فالفرد المنعزل عن الناس هو وحده الذي يستطيع أن يفكر وبالتالي أن يخلق قيمًا جديدة تتكامل بها الجماعة؛ فلولا الأشخاص المبتكرون الذين يفكرون ويتأملون باستقلال؛ لكان تقدُّم المجتمع أمرًا يصعب تصوره كما يصعب تصور نمو الفرد من غير مجتمع؛ فالمجتمع السليم مرتبطٌ باستقلال الأفراد ارتباطه بتماسكهم الاجتماعي المتين)) فومضات القلة تتيح للكثرة تطبيقات مفتوحة فالكثرة الهائلة من الأفراد المتعلمين  يلتزمون بالتنفيذ والتكرار والتطبيق وملء المواقع فهم المرئيون الذين يطبقون ومضات الرواد ويحيلونها إلى واقع. أما الرواد رغم أصالة دورهم فمن النادر أن يتعرف عليهم الناس يقول الفيلسوف راسل: ((إن أفرادًا من الناس يحددون طابع كل جيل من الأجيال فقد حدد طابع القرن السادس عشر كولومبس ولوثر وشارل الخامس، وحدد طابع القرن السابع عشر جاليليو وديكارت، وحدد طابع العصر الذي انتهى سنة 1930 – أديسون وروكفلر ولينين وصن يات صن)) إن قلة من الأفراد هم الذين يحددون المسارات، أما الكثرة فإنهم يلتزمون بالمسارات المحددة. ولكنهم يملؤون الساحة إنهم بكثرتهم وبكثافة حضورهم وبفاعلياتهم وبتأثيرهم المباشر على الأحياء؛ يحجبون الدورَ التأسيسي للرواد فيتوهم الجميع تماثل الكل، فالمرئي الذي يؤثر في حياة الناس هو الذي يكون حاضرًا في الأذهان. أما الرائد المنعزل فيؤدي دوره بصمت، وفي الغالب ينظر إليه الناس بريبة ونفور. ولكنه رغم الريبة فيه، والنفور منه؛ فإنه من عزلته يُشع الضياء، وبنتاج فكره الخلاق؛ تتحدد مسارات الازدهار. لكنه في عزلته، وفي توقُّده، وفي انبثاق الومضات الإبداعية من هذا التوقد، وفي إشعاع ضيائه، لم يكن مختارًا اختيارًا محضًا، وإنما كان رغم وعيه الحاد؛ مرتَهنًا لأفكار تهيمن عليه، وتدفعه إلى الاعتزال والتأمل والاستغراق في بحث المعضلات الكبرى. إنها فاعلية التلقائية بكل أبعادها …       

        

       إن اندفاع الرواد والمبدعين في الاتجاهات الإبداعية؛ هو اندفاعٌ غارقٌ بوعي حاد مشرق، لكنه اندفاعٌ تلقائيٌّ فمن يقرأ تاريخ العلوم سيجد ذلك واضحًا، كما يجده في كل الأعمال الإبداعية وكما يقول المبدع البريطاني وليم سومرست موم: ((لقد بدأتُ الكتابة كأمر طبيعي لا فكاك لي منه كالوَزَّة التي لا انفكاك لها من الماء. إنه مَيلٌ قَهَّارٌ لا يقاوَم)) ويضيف: ((إن الكتابة عندي غريزة طبيعية كالتنفس)) ويكرر التأكيد بأن الكاتب: ((مدفوعٌ إلى الكتابة بغريزة داخلية)) فإذا كان الإبداعُ يتدفَّق تلقائيًّا وهو أعظم وأندر عطاءات الإنسان في أرفع حالاته؛ فإن التحكُّم التلقائي يكون من باب أولى في الحالات غير الإبداعية. وكما نجد الاندفاع التلقائي في الإبداع القصصي أو الروائي نجده عند غيرهم من المبدعين؛ فالاندفاع التلقائي عامٌّ في كل المجالات الإبداعية؛ فيقول موم: ((نداءُ المسرح لا يقاوَم، أقصد الممثلين الذين يمتهنون التمثيل استجابةً لنداء داخلي، فهؤلاء عندهم الموهبة الطبيعية، وعندهم الرغبة في استعمال هذه الموهبة)) فالنداء الداخلي؛ ليس إراديًّا، وإنما هو تَوَقُّد تلقائي، وكذلك تَوَقُّد الرغبة ليس إرادةً محضة وإنما هو انبعاثٌ تلقائي. لكنه اندفاعٌ محمول بوعي حاد مشرق. الدكتور بيرس هاوارد يًذَكِّر قراء كتابه الرائع (دليل المالك للمخ) بأن المؤلف الموهوب: ((يمتلك دافعًا لا يقاوَم)) إن المبدع في ذروة وعيه يكون عاجزا عن كبح اندفاعه. إن هذه حقيقة أساسية وضرورية لفهم عوامل التقد الحضاري وعوامل الإعاقة الحضارية لابد من تكرار تأكيدها لأنها محجوبة وغائبة. إن الإنسان عاش خلال القرون وهو يتوهَّم أن كل تفكيره وسلوكه وتصرفاته؛ نتاجُ العقل المحض، والإرادة الفاحصة، والتحقُّق الموضوعي، كان كل فرد يعتقد أنه يملك عقلا جوهريا ثابتًا، وبسبب هذه الأوهام؛ غابت عن الإنسان حقيقته التلقائية … 

        لو فَكَّر الإنسان بعمق، ودقَّق في لغته وقيمه وثقافته وسلوكه، وأمعن النظر في اهتماماته، وتابَع نشاط نفسه؛ لوجد أنه يتحرك تلقائيًّا بمؤثرات ليست من صُنعه؛ فلقد تَبَرمَج في طفولته باللغة، وبالتصورات، واكتسب من البيئة القيم والاهتمامات، وكل سكناته، وكل حركاته؛ تأتي انبعاثًا تلقائيًا من أعماقه، أو استجابة تلقائية لمثير أو مؤثِّر؛ فهو لا يكون خامل النشاط بإرادته، وإنما يجد نفسه خاملا، ولا يتحمَّس بإرادته، وإنما يجتاحه الحماس، مثلما يجتاحه الغضب، أو الخوف، أو الفرح، إن الفاعلية مرهونة بالحماس وهي فورة تلقائية وليست إرادةً محضة؛ وهذا لا يتنافى مع كونها تلقائية مصحوبة بتوهج الوعي. وعلى سبيل المثال فإن وليم لي كان يعمل قسيسًا لكن طرأت على ذهنه فكرةٌ لتطوير عملية الغزْل فاستحوذت عليه الفكرةُ وكما جاء في كتاب (لماذا تفشل الأمم) لمؤلفيه دارن اسيموجلو وجيمس روبنسون: ((أصبح لي مهووسًا بفكرة صنع آلة تُحرِّر الناس من النسج اليدوي)) ويصف هو نفسه فيقول: ((لقد بدأتُ أُهمل واجباتي نحو الكنيسة ونحو أسرتي، لقد بدأتْ فكرة آلتي وتصنيعها تستحوذ على قلبي وعقلي)) في هذه الحالة الاستحواذية بوعيها الحاد؛ يصبح المرء في قبضة فكرة مهيمنة صار تحقيقها يمثل جوهر وجوده. وهي ذات الحالة التي تلبَّست كولومبس وجعلته يواصل الإصرار على طلب تجهيزه لاكتشاف طريق إلى الشرق الأقصى بالاتجاه غربًا. فرغم الرفض المتكرر للفكرة عشر سنوات ورغم المخاطر الشديدة التي تنطوي عليها المغامرة؛ ورغم أن فكرته تتعارض بقوة مع الرؤية التي كانت سائدة؛ فقد بقي كولومبس مرتَهنًا للفكرة المهيمنة حتى قام بتنفيذها. إن كون الفرد مرتَهَنًا لفكرة مهيمنة لا يعني أنه غير واعٍ بهذا الاستحواذ بل إنه يكون عميق الوعي بالحالة وبكل الأبعاد المحيطة لكن وعيه الحاد يبقى مرتبطًا تلقائيًّا بذلك الهدف البعيد؛ فالفكرة المستحوذة تملكه ولا يملكها. إن قصص الرواد كلها تؤكد أنهم كانوا مأسورين لأفكار عميقة مهيمنة دفعتهم إلى مواصلة الجهد، ولولا ذلك لما تحققت الإنجازات الكبرى التي ارتقب بها الحضارة. وكما يؤكد فيلسوف الحضارة اشفيتسر في كتابه (فلسفة الحضارة): ((إن شيئًا ذا قيمة في هذه الدنيا لم يتحقق إلا بالحماسة والتضحية بالنفس)) إنه بذلك يؤكد أهمية الاندفاع التلقائي؛ إن قصة كولومبس ووقوعه في قبضة فكرة مهيمنة من أوضح الشواهد على أن معظم الإنجازات الكبرى كانت مسبوقة ومصحوبة باهتمام تلقائي قوي مستغرق؛ فالحماس تدفُّقٌ تلقائي، ورغم وعيه الحاد بالموقف؛ فإنه لا يستطيع التخلي عنه. ويؤكد الفيلسوف برتراند راسل بأنه: ((لا يمكن أداء أيما رسالة عظيمة من دون عمل عسير موصول، لا يترك لضروب اللهو غير طاقة ضئيلة جدا)) والحقيقة أن من يندفع لتحقيق عمل عظيم يكون في الغالب مندفعًا رغما عنه، لكنه يعي حقيقة اندفاعه؛ فالفكرة تهيمن عليه وتؤججه من أعماقه، ولكنه يكون حاد الوعي بالموقف، ومبتهجًا بما هو فيه؛ فمتعة المعرفة ألَذُّ من أي لهو، وبهجة الإنجاز أكمل وأدوَم من أية بهجة؛ فالمعرفة والإنجاز؛ بالنسبة لهؤلاء الاستثنائيين؛ هما أعظم المُتع وأروع المباهج …

         إن المعوَّل عليه في أي عمل إبداعي في مختلف المجالات؛ هو الاهتمام التلقائي القوي المستغرق، فهو الذي يؤجج الحماس، الذي هو الشرط الحاسم؛ للإفلات من الرتابة، والكلال، ثم التهيؤ للاختراق الإبداعي. وكما يقول العالم الشهير ماكس فيبر في كتابه (صنعة العلم): ((مما لاريب فيه أن الحماس؛ هو شرطٌ مسبق، لذلك الإلهام صاحب الدور الحاسم)) ويؤكد على أن: ((النداء الصميمي لأجل العلم أو الدعوة الجوانية إلى العلم، لن يتاح أبدًا امتلاك ما تجوز تسميته بالتجربة الشخصية للعلم، إلا بهذا الثمْل العجيب، هذا الانفعال أو الهوى، ما من شيء جدير بالإنسان كإنسان إلا متى استطاع الإنسان أن يطلب هذا الشيء عن هَوًى متحمس وتفانٍ انفعالي )) ويكرر التأكيد على ((الإحساس القوي والمثير)) فالدخول في صميم العلم؛ هو انتقالٌ جذري من نظام تفكير تلقائي سطحي ساذج بارد، إلى نظام فكري مغاير كليًّا يتصل بعوالم عميقة مشحونة بالإثارة والدهشة والتجلي والابتهاج، أما الذين يبقون خارج هذه العوالم العميقة الاستثنائية فإنهم يظلون غير قادرين على إدراك طبيعتها الخارقة، مهما واصلوا التعلُّم اضطرارًا ومهما نالوا من شهادات تعليمية؛ فالعلم لا يعطيك بعضَه إلا إذا أعطيته كلَّك، ولكن هذا يتطلَّب اندفاعًا تلقائيًّا وليس دفْعًا …     

         في بحث رصين للعالم الشهير روبرت أوبنهايمر بعنوان (العلم والحضارة) يؤكد ندرة من هم على مستوى ما يتطلبه العلم من الاندفاع والإخلاص والتجرد ثم يقول: ((ليس لنا أن نتوقع وجود مستوى رفيع، إن الإنتاج الجيد يضيع في غمرة الإنتاج التافه)) فالناس عمومًا هم في نظره غارقون في التفاهات لذلك علينا أن نعي دائمًا أنه يوجد فرقٌ نوعيٌّ، بين القلَّة من العلماء الرواد الذين كانوا مندفعين تلقائيًّا للعلم من أجل الفهم؛ بوصفه حاجة نفسية ومطلبًا عقليًّا ذاتيًّا محضًا وليس وسيلة للعيش من أمثال جاليليو ونيوتن وداروين وفراداي وآينشتاين ونيلز بور وهايزنبرج وأمثالهم ممن يعيشون للعلم كقيمة عليا في ذاته. وهؤلاء عددٌ قليل جدا منذ بداية الإنسانية وحتى اليوم، مقابل مئات الملايين من المتعلمين في العالم، الذين أقصى ما يطمحون إليه هو؛ أن يستوعبوا بعض ما أنجزه الرواد، وأن يطبقوه لخير الإنسانية، وهم بذلك يقومون بأدوار تجسيد الأفكار وتطبيق العلوم. فيجب أن ننتبه لهذا الفرق النوعي فليس العلم هو ما يتجرعه الدارسون اضطرارًا ولكنه الذي يجيب على تساؤلات تلقائية حارقة لدى الفرد نفسه وكما يؤكد عالم الفيزياء آرثر إدنجتون فإن ((الأجوبة التي يحصل عليها رجل العلم إنما تتوقف على الأسئلة التي يطرحها)) وبديهي أن التساؤلات الحادة هي فاعلية داخلية تلقائية. لذلك يقول فيبر: ((يُعتبر ذو شخصية في حقل العلم ذاك الذي يكرس نفسه للعلم فقط وينذرها للعمل الذي في متناوله، وهذا لا يَصْدق على حقل العلم وحسب بل نحن لا نعرف فنانًا عظيمًا سبق له القيام بأي شيء سوى خدمة عمله وحده)) ويقول: ((ينبغي عليه أن يكون متفرغًا له. إن هذا وحده دون سواه هو الذي يرتفع برجل العلم إلى آفاق الموضوع الذي يدعي خدمته. وما يصدق على العالم يصدق على الفنان وعلى كل من يضطلع بشأن ذي بال)) ولكن هذا الاستغراق لا يأتي تكلُّفًا وإنما لابد أن يكون تلقائيًّا، وهذه التلقائية تُكَوِّنها ظروفٌ غير محسوبة ولم يتم خلقها قصدًا وإنما هي شرارة تنطلق فتقلب حياة فرد لديه القابلية للاشتعال. وعلى سبيل المثال فإنه لولا قراءة كانط لهيوم وروسو لبقي مجرد معلِّم عادي ولكن هذه القراءة التي جاءت متأخرة نسبيًّا؛ خلقتْ فيه روحًا جديدة وأشعلتْ أعماقه باهتمام تلقائي قوي مستغرق، وبذلك صار واحدًا من أبرز أعلام الفلسفة، فقد كانت فلسفته النقدية منعطفًا مهما في تاريخ الفكر الإنساني …

            إن اليقظة المزلزلة المنتِجة التي اجتاحت كانط بعد قراءته لفلسفة ديفيد هيوم وفلسفة جان جاك روسو؛ مثالٌ نموذجيٌّ على الكيفية التي ينتقل بها فجأةً عبقريٌّ من سباته التلقائي وغبطته بما تَبرمج به ليصير أحد موقظي البشرية. إن حالة كانط ذات دلالات عميقة يمكن أن نشير إلى بعضها كما يلي:

  • الدلالة الأولى: أن كانط رغم عبقريته قد أمضى الشطر الأول من عمره وهو منتظم على ما تَبرمَج به في طفولته، وتعزيزات البيئة لما هو سائد، واجتاز مراحل التعليم كلها حتى النهاية دون أن تهتز هذه البرمجة، أو يتحرك من هذه الغفلة، أو يحس بعدم عقلانية هذه الغبطة التلقائية بما وجد نفسه عليه. ثم فجأةً يقرأ فلسفة هيوم في نظرية المعرفة وطبيعة العقل فتجتاحه يقظةٌ عارمة غيَّرت حياته وأسهمت في تبديل مسيرة الفكر الفلسفي فصار بالغ الأثر في الفكر والعلم والأدب ..
  • الدلالة الثانية: أن يقظة كانط لم تكن حتمية؛ فرغم الأهمية العظيمة ليقظته، والقيمة الكبرى لإنتاجه بعد الفورة العقلية التي انتابته؛ فقد كان بالإمكان أنْ لا يصادف ما يوقظه فتستمر غبطته بما تبرمج به تلقائيًّا كالملايين في كل الأمم دون أن يخطر على باله ما يوقظه من سباته الأيديولوجي فقد جاءت يقظته في عمر متأخر نسبيًّا. ولكن صدفةً جميلة أوقعتْ أحد كتب هيوم وأحد كتب روسو في يده فقرأهما وتبدَّل بهذه القراءة؛ مسار تفكيره كما تغيَّر بذلك مسار الفكر الإنساني. وبذلك تتضح هشاشة الوضع البشري وارتباط تحولاته باحتمالات بلا نهاية وبصدف غير قابلة للتنبؤ …
  • الدلالة الثالثة: أن السر لم يكن في قابليات كانط الفريدة وحدها بدليل أنه بقي محكوما بالسبات الثقافي نصف عمره من دون أن يستيقظ من ذلك السُّبات. كما أن السر لم يكن يكمن في فلسفة ديفيد هيوم وحدها بدليل أن كثيرين قرأوا هذه الفلسفة فلم تؤثر فيهم؛ وبهذا يتضح أنه لابد من توفُّر القابليات العبقرية المتهيئة للاشتعال وتوفُّر المُشْعِل؛ وبهذا التكامل تحصل اليقظة التي تقلب أحد الأفراد من شخص منتظم في السائد إلى فردٍ ريادي خارق …       
  • الدلالة الرابعة: أن الأصل في الناس أنهم لا يتقبلون الفكر المغاير الخلاق بل يرفضونه ويقاومونه بدليل أن الكثيرين قرأوا كتب هيوم فلم يَحدث عندهم أيُّ تحول بل إن بعضهم سخر منها وبعضهم كتب يرد عليها وبعضهم لم يهتم بها والعموم مَرُّوا عليها قبل كانط وبعد كانط وحتى اليوم من دون أن تترك فيهم أثرًا إيجابيا ينتشل عقولهم من السبات الثقافي إلى اليقظة الفكرية التي يتبدل بها الاهتمام ويتغير الاتجاه وتختلف النهايات …
  • الدلالة الخامسة: أن تبادل التأثير الإيجابي لا يحصل إلا بين القلة المبدعة فقط؛ فعبقرية هيوم أيقظت عبقرية كانط ولابد أن حَدَثًا مماثلا أيقظ هيوم؛ فدائرة رواد الفكر تكاد تكون محصورة بذوي القابليات الريادية الإبداعية. أما عموم الناس فإن الأصل أنهم يستمرون مغتبطين بما تبرمجوا به ولا يتأثرون إيجابيًّا بأي فكر مغاير حيث يكون التجاهل أو الرفض تلقائيًّا أما اليقظة فهي حالة فردية نادرة ومع ندرتها فإن حصولها يتطلب صدمة لفرد لديه قابلية اليقظة الفكرية والانفتاح الوجداني كما حصل لكانط حين قرأ فلسفة ديفيد هيوم …

          لذلك لا تتحقق التحولات الاجتماعية والتغيُّر الحضاري والثقافي عن طريق الإقناع وإنما تتحقق بالأحدث وبالتكامل بين رواد الفكر وقادة الفعل؛ فالأحداث والقرارات السياسية هي التي تحدد أوضاع المجتمعات إيجابًا أو سلبًا فإذا تَبنَّتْ السياسةُ أيَّ فكر أو أي اتجاه فإنها تستطيع أن تحيله إلى واقع، وإذا تبنت مذهبًا فإنها تفرضه ثم بمرور الزمن تتبرمج به الأجيال تلقائيًّا بواسطة أسلوب الحياة الذي تم فرضه فهي تستطيع أن تُبقي المجتمع منغلقا ومتخلفًا، كما تستطيع أن تعمل على تحويل اتجاهه أو تعمل على  القفز به في مجالات النمو والازدهار. وهذا بشأن المجتمعات التي مازالت تقليدية أما المجتمعات الديمقراطية الحرة فلم تعد السياسة بتلك الفاعلية …     

           ما حصل لكانط حصل ما يشبهه تقريبا لديكارت؛ فقد التقى طبيبًا يُدعى اسحق بكمان فحصل بينهما نقاشٌ أيقظ ديكارت من سباته التلقائي لكن هذا الطبيب نفسه لا يذكره التاريخ إلا بتأثيره على ديكارت. لابد أن كثيرين التقوا هذا الطبيب وعايشوه بل حتى ديكارت لم يتأثر به تأثُّرًا حقيقيًّا سوى عدد قليل من المثقفين أما عامة المتعلمين فيسمعون عنه وربما قرأ له بعضهم دون أن يدركوا التحول الجذري الذي أحدثه في حياة أوروبا ثم في الحضارة الإنسانية عمومًا. وليست حالة كانط وديكارت سوى نموذجين ليقظة الرواد بسبب شرارة موقظة، فداروين قرأ مقالا لتوماس مالتوس عن النمو السكاني مقارنةً بنمو الغذاء فألهمه المقالُ فكرةَ الصراع وبقاء الأصلح. ولكن كثيرين قرأوا المقال فلم يلهمهم بشيء. نتشه يقول عن نفسه بأنه حين قرأ كتاب (العالم إرادة وتمثُّلا) لشوبنهاور: ((شعر بالدوار العقلي لازَمه، وجعل صورةَ العالم تتبدل أمام ناظريه إلى الأبد وأنه وجد فيه: مرآة طالعتُ فيها العالم والحياة بل وطبيعة نفسي مرسومةً في جلال عميق)) ولكن كثيرين قرأوا الكتاب، ثم نسوه بل إن الكتاب بعد صدوره قوبل بالإهمال فقد كان سابقًا لعصره سبقًا هائلا ولكن اليقظة القوية الحالية لعلم النفس وعلم الأعصاب وإدراك الدور العظيم للانفعالات والمشاعر والعواطف؛ أعاد الاهتمام بشوبنهاور وسوف تزداد أفكاره تجليًّا كلما امتد الزمن فقد تكاثف بقوة الاهتمامُ العلمي بالعواطف وتأثيرها الهائل على حياة الأفراد والمجتمعات والإنسانية كلها …

          يأتي التحول في الغالب مفاجئًا وخارج الأطر التعليمية؛ ومن ذلك أننا نقرأ في سيرة الرائد العلمي الروسي بافلوف أنه كان قد اعتزم أن يتخصص في اللاهوت، وأن يصير قسيسًا. ولكنه قرأ كتاب داروين عن التطور؛ فتأثَّر به بقوة وافتتن بالعلم وتحوَّل إليه باهتمام تلقائي قوي وشغف آسر؛ فصار واحدًا من الرواد الذين كان لهم تأثير كبير في مسيرة العلم وفي تطور علم النفس، واعتمدتْ النظريةُ السلوكية على اكتشافاته، كما أسهمت اكتشافاته إسهامًا عظيما في اقتراب الإنسان من فهم نفسه، ثم تنامى الاهتمام به أكثر بعد التطورات الجديدة في علم الأعصام والكشوف المهمة للدماغ …  

          ومن النماذج الأكثر شهرةً نموذج ُكارل ماركس الذي شَغَل العالم بأفكاره الاجتماعية، حتى كادت أفكاره تكتسح العالم خلال القرن العشرين، وقد كان ماركس يعيش اهتماما تلقائيًّا قويًّا مستغرقا؛ محاولا فَهْمَ العوامل التي تؤدي إلى التغيير الاجتماعي وتحسين أوضاع العمال. وكان يواجه صعوبة في بلورة فكرة محورية حول ذلك، لكنه حين قرأ قول الروائية الفرنسية جورج صاند: ((النضال أو الموت، الصراع الدموي أو الفناء، هكذا المسألة مطروحة بلا رحمة)) ألهمَتْه هذه العبارةُ الكثيفة؛ فكرةَ ضرورة القضاء على الطبقِيَّة الاجتماعية ليتاح المجال لتعميم المساواة وانتشال العمال الكادحين من أوضاعهم البائسة؛ وبإيحاء من عبارة صاند؛ أكَّد في كتابه (بؤس الفلسفة): ((أن الشرط لانعتاق الطبقة العاملة هو إنهاء الطبَقِيَّة)) إن شرارةً صغيرة ً قد تُشعل غابةً، وإن عبارةً مختصرة قد تُلهم فردًا يستبطن قابليات ريادية؛ فتحيله إلى رائد عالمي. فهذه العبارة الكثيفة المختصرة التي ألهمت ماركس إحدى أفكاره الرئيسية؛ يمكن أن يقرأها مئات الملايين من الناس ولن توحي لهم بأي شيء.  فالأصل أن الناس لا يتأثرون بالفكر الذي يغاير ما تبرمجوا به واعتادوا عليه، فكأن الرواد يخاطبون الرواد أما الذين يفتقرون إلى قابلية التأثُّر الجارف فتمضي بهم الحياة وهم ذائبون في التيارات الجارية في مختلف المجتمعات. ومن السهل استنفارهم لمقاومة الأفكار الريادية التي تستهدف تحسين أوضاعهم لكنهم يقفون ضدها لأنهم محكومون بتصورات راسخة مهيمنة موروثة مضادة …

        تقدُّم الحضارة الإنسانية مشروطٌ بومضات الرواد الفكرية والعلمية والإبداعية، ليس بواسطة إقناع الشعوب والأمم فهذا محالٌ وإنما بتشابك أحداث فكرية واجتماعية وسياسية تضع الومضات موضع التطبيق وبذلك تصبح الومضات واقعًا حيًّا في الحياة الإنسانية في مختلف المجالات. ولكن يغيب دور الرواد لقلة عددهم وخفاء دورهم؛ فالناس يعرفون الشركات المنتجة ويعرفون المنتجين ومن يقومون بتطبيق الأفكار الريادية الإبداعية ويرونهم ويعتبرونهم مصدر الازدهار. المنتجون مهمون لكن أصحاب الأفكار هم الأساس، فما يجب التذكير به؛ هو أن الومضات الفردية الإبداعية حين تدخل مجال التطبيق فإن الناس ينتبهون لضخامة الإنتاج ولمن يديرون هذا الإنتاج ولكنهم يغفلون غفلة تامة عن أصحاب الأفكار الإبداعية. وعلى سبيل المثال فإن الأخوين رايت، حين كانا يعملان في اختراع الطائرة؛ كان الكل يسخر منهما، ويدعوهما للتوقف، ويؤكد لهما استحالة الطيران، ويأتي العلماء الكبار من أمثال اللورد كالفن؛ في مقدمة الساخرين المؤكدين للاستحالة. ولكن النجاح كان بانتظار ذلك الجهد الخارق. أما نتائج نجاحهما فتشهد لها الأجواء المليئة دائما بالطائرات، وقد باتت المطارات تمثل عناصر أساسية من تكوين كل المدن في العالم. وصار الطيران أهم وأوسع وأسرع وآمن؛ وسائل النقل. وليس هذا سوى مثال واحد على النتائج العظيمة للأعمال الريادية الإبداعية، فما تمور به الدنيا من نتاج هائل هو في الأساس ثمرة ومضات إبداعية لأفراد استثنائيين لكن ما أكثر غياب هذه الحقيقة الكبرى عن الأذهان. أما نتائج هذا الغياب فهي بالغة الضرر على تفكير الناس وتوقعاتهم من أنفسهم ومن غيرهم …                      

        سيبقى إنتاج الأفكار الكبرى من خصائص الرواد الذين يستحوذ عليهم الاهتمامُ التلقائي القوي المستغرق، وخارج نطاق التعليم الجمعي، وسيظل الرواد يتحركون عكس التيارات الجارية، بأفكار مضادة للسائد، وسيبقون غائبين عن المشهد العام، وغير حاضرين في الأذهان، حتى وإن كانت نتائج أفكارهم تملأ الأرض. إن الناس يركزون على الثمار ولا يهتمون بأن يعرفوا الأشجار التي أنتجت هذه الثمار. إن تاريخ الفكر وتاريخ العلوم وتاريخ الفنون يشهد بأن الإبداع الباهر والفكر الخلاق والنظريات العظيمة لا تأتي بالبحث البارد الرتيب وإنما هي انبثاقات كَوَّنها تفاعلُ مكوِّنات اللاوعي بفاعلية حرارة الاهتمام التلقائي القوي المستغرق. لذلك فإن ماكس فيبر يكرر استهجان الأوهام التي تستسهل أمر الإبداع في العلم والفن ويعترض على التصور الشائع عن العلم بأنه مجرد التزام بقواعد منهجية وخطوات إجرائية في عملٍ بحثيٍّ رتيب ويؤكد أن هذا التصور هو أبعد ما يكون عن الحقيقة فيقول: ((ففي أيامنا هذه يوجد فكرةٌ واسعة الانتشار بين أوساط الشباب مفادها؛ أن العلم أصبح مسألةَ إجراء حساب يتم تركيبها في المختبرات أو في أنظمة التصنيف والتوضيب الإحصائي، كما هي الحال تمامًا داخل المصنع أو المعمل، وأن هذا النوع من الحساب لا يتطلب سوى الذهن الهادئ وحده. وليس فيه أي شأن لقلب الإنسان وروحه. هنا يجب القول بأن مثل هذه التصورات ينقصها فَهْمُ ما يدور داخل المصنع أو في المختبر؛ ففي الحالتين (في المصنع والمعمل) يجب أن تخطر فكرةٌ ما في ذهن شخص معيَّن، وينبغي لها أن تكون فكرةٌ صحيحة. ومثل هذا الحدس لا يمكن الوصول إليه بتكلُّف أو بانتزاعه عنوةً؛ فهو عديمُ الصلة بأي حساب رتيب، وإنما يجري إعدادُ مثل هذه الفكرة فقط، فوق تربة العمل الشاق جدا، فكلاهما أي الحماس والعمل؛ كلاهما معًا قبل كل شيء يستطيعان اجتذاب الفكرة وغوايتها)) هذه الحقيقة الأساسية؛ كانت معروفة وواضحة؛ حين كان الاتجاه إلى العلم محصورًا بمن يندفعون إليه تلقائيًّا برغبةٍ وشغف وحماس واهتمام تلقائي قوي مستغرق …

         أما بعد أن صار التعليم عامًّا ويتجه إليه الجميع اضطرارًا بوصفه وسيلةً للعيش وشرطًا للعمل؛ فقد بات الكل ينخرطون فيه مضطرين، ليس رغبةً في العلم ذاته، وإنما التعلُّم صار مجرد وسيلة وليس غايةً. وبسبب ذلك فإن أكثر المتعلمين حاليًّا لا يتصورون ذلك الاندفاع التلقائي المشبع بالشغف والاستغراق الذي يبلغ أثناء العملية الإبداعية أقصى ذراه؛ فيَصِل درجة الذهول عن الوجود. إن كل فرد محكومٌ بتصوراته هو؛ فالحالة أو الشيء الذي لم يجربه الشخص؛ لا يستطيع أن يتصوره تصورًا صحيحًا. لذلك فمن النادر أن يتمكن أكثر المتعلمين اضطرارًا أن يتصوروا الاستغراق التلقائي الذي يسبق الحالة الإبداعية. بل إنهم يستبعدون أو ينكرون هذا التفرد لدى المندفعين باهتمام تلقائي قوي مستغرق، لأنه بعيدٌ عن تصوُّرهم؛ فهم يتوهمون أن العلم معلومات، وأن البحث العلمي ما هو إلا التزامٌ بقواعد منهجية، وتقنيات إجرائية، وغاب عنهم أن المعلومات مجرد مواد لبناء المعرفة الذاتية، وأن البحث، يتم من أجل التحقق، من فكرةٍ أو فرضٍ قد انبثق من عقلٍ فرديٍّ متوقِّدِ الحماس ومستغرقٍ بالتفكير ومنهمكٍ بالمجال؛ فالفكرة العظيمة لا تولد من عمل رتيب، وإنما يتمخض عنها الاهتمام التلقائي القوي المستغرق …

           رغم أن الفيلسوف الكبير هيجل عاش في عصر الأنوار حين كان العقل يُحظى بوثوق مطلق  حيث كان يجري تجاهُل العواطف والمشاعر والانفعالات، أو يتم اعتبارها عدو العقل ومُبطل فاعليته باستثناء شوبنهاور الذي أدرك أن العقل غالبًا محكومٌ بالعواطف وليس العكس. ورغم تأكيد هيجل على أولوية الفكر فإنه مع ذلك يقول: ((نؤكد أنه لم يتم إنجاز شيء دون اهتمام خاص من جانب الفاعل، وإذا كان الاهتمام يمكن أن يسمَّى انفعالات من حيث أن الفرد بأسره يكرس نفسه لهدف بكل ما للإرادة من قوة، ويكرس قواه ورغباته لهذا الهدف: فإننا نستطيع أن نؤكد على نحو مطلق أنه لم يُنجَز شيء عظيم في العالم بدون عاطفة وانفعال)) إن الانفعال، رغم أنه يحصل مع توقد الوعي إلا أنه ليس خاضعًا للإرادة المحضة وإنما هو اندفاعٌ تلقائيٌّ باستحواذ فكرةٍ قوية مهيمنة، وكما تقول الروائية الفرنسية ناتالي ساروت: ((لابد من وجود شيء قوي ومتين تتطور حوله الانفعالات)) فالاستجابات الانفعالية تكون مصحوبة بوعي حاد لكنها ليست إرادية بل آلية تلقائية؛ فالمعوَّل عليه في الإبداع هو الاكتظاظ الذي تختزنه الخافية، والتفاعل الجياش لهذا الاكتظاظ بفاعلية الاهتمام التلقائي القوي المستغرق؛ فيتدفق الإبداع تلقائيًّا بعد اكتمال تكوينه …                          

         إن الاندفاع التلقائي الإبداعي؛ ينجلي عن ضياء فكري، أو أدبي، أو فني، تستضيء به الإنسانية. لذلك فإن العالم الفيلسوف الشهير وايتهد يؤكد أن: ((الشعراء يُعَبِّرون عن حدس إنساني عميق، استطاعت الإنسانية بمقتضاه أن تنفذ إلى ما في الواقعية الفردية من طابع شامل )) أما الفيلسوف العظيم ديكارت فيقول: ((قد يبدو غريبا أنْ تكون الآراء ذات الثقل؛ موجودة في أعمال الشعراء وليس الفلاسفة، السبب هو أن الشعراء يكتبون تحت تأثير الحماس والخيال، يوجد في دواخلنا بذورٌ للمعرفة كالنار في الصوان، الفلاسفة يستخلصونها بواسطة العقل، أما الشعراء فإنهم يُشعلونها بخيالاتهم فتبدو أكثر زُهُوَّا ونضارة)) وفي الفصل الذي كتبه دان لاتيمر ضمن الكتاب الجماعي (القرن العشرون: المداخل التاريخية والفلسفية والنفسية) يقول دان: ((هايدجر يرغب في رؤية التراث الفلسفي كسلسلة من الإنجازات الشعرية؛ فالشعراء هم المفكرون الحقيقيون، إنهم صواعق تومض فجأةً، وتعصف مُطيحةً باللغة التقليدية الموروثة، باستخدام استعارات رائعة في جِدَّتها)) ويضيف بأن الفيلسوف الأمريكي المعاصر رتشارد رورتي أيضا يحتفي باللغة الشعرية المبدعة بتلقائية اندفاعها وتحرُّرها من القيود فيقول دان: ((رورتي يعجب أيما إعجاب بالجانب التفكيكي عند هايدجر، ذلك الجانب الذي يحتفي بالشاعر، غريب الأطوار، وهو يصعد الطريق الجبلي بعيدًا عن كليشهات اللغو الفارغ جميعًا، يعود ليظهر من جديد بعينين وامضتين، وشَعْرٍ متطاير ليأتي باستعارات جديدة، كالصواعق، من إبداعه وحْدَه، وحتى المُثٌل السياسية؛ نشأتْ في الأصل عن عبقرية متحمسة. إذا نلنا يومًا ما نرغب أو ما يريده رورتي؛ سيكون الشاعر القوي هو ما نحبه، وتبقى هِبَة الشعراء على حد قول هولدلرين)) هكذا نجد أربعةً من أساطين الفلسفة يتفقون على أهمية الاندفاع التلقائي، وما تنجلي عنه الروح الشعرية التلقائية الإبداعية، من استعارات جديدة وصور غير مألوفة، فتتغذى اللغة، وتنمو التصورات، وتتسع مساحة التعبير، ويُثري الأداءَ بأدواتٍ جديدة، ويفتح آفاقًا واعدة، لأن المبدع يتحرر من القيود، فيُطلق العنان لتلقائيته فيأتي باللآلئ؛ إن الاندفاع التلقائي يكون مسبوقًا ومصحوبًا بوعي متقد؛ فيَمنح الإنسان طاقةً استثنائية هائلة؛ فيأتي النتاجُ متدفقًا وجديدًا وأصيلا، فمحتوى خافية الشاعر يصهره وينقِّيه ويحرِّره ويعيد تكوينه وتركيبه؛ الاهتمامُ التلقائيُّ القوي المستغرق، فيفيض دافقًا بمركَّب جديد؛ طريٍّ مكتمل يتلألأ صفاءً؛ وهو بذلك يكون أصيلا ومنفصلا  عن التكرار والتقليد …

          إن العالم الرائد المؤسِّس ماكس فيبر يؤكد أن الولع بالشيء والحماس له والتفاني فيه، والاهتمام التلقائي القوي المستغرق؛ شرطٌ لأي تميُّز ليس في مجال الفكر والعلم والفن فحسب وإنما في مجال الصناعة والتجارة والتنظيم وفي كل نشاط يتطلب الخلق والابتكار فيقول: ((فمن المؤكد أن الأفكار ما كانت لتخطر في الذهن، لو لم نبحث عن الأجوبة بتفان انفعالي وهوًى متحمس)) فهو يرى أن نجاح الصناعي الكبير لن يتحقق إلا بخيال خلاق. كما يؤكد أن النشوة هي منبع العلم والفن وبأنها حافز الإبداع والكشف وأنه لا يمكن امتلاك أي منهما إلا إذا بلغ الشغف ذروته، بل يرى أن ذلك لا يكفي حتى تبلغ الرغبة درجة الهوس فيقول: ((إنها لحماقة صبيانية حين نعتقد بأن عالم الرياضيات يتوصل إلى أية نتائج ذات قيمة بمجرد جلوسه خلف مكتبه مستخدمًا المسطرة أو الآلات الحاسبة أو غير ذلك من الوسائل الآلية. ومع أن المخيلة الرياضية هي بالطبع تختلف تمامًا من حيث اتجاه معناها ونتائجها عن مخيلة فنان كما تختلف عنها في النوعية والكيفية بصورة أساسية أما العمليات السيكولوجية والمسرات فلا تختلف لدى الإثنين؛ فكلاهما نشوة وهَوَس)) لكن هذه الحماقة الصبيانية التي يستهجنها هذا العالم الكبير؛ قد حجَبَها وبرَّرها؛ تعميمُ التعليم، واعتبار الشهادات هي المعيار، كما أن فكرة المساواة التي هي ذات منبع أخلاقي قد أوهمت الكثيرين بأنها تعني التماثل فأحدثت الكثير من الالتباس والخلط، وبذلك فإن الحماقة الساذجة التي يشير إليها ماكس فيبر؛ صارت تهيمن على أكثر العقول في كل العالم، لأن تعميم التعليم وربْط الكفاءة بالشهادة التعليمية والخلط الجاري في فكرة المساواة، والتأثير القوي للفكر الماركسي؛ كل ذلك قد أَوهم الفارغين بأنهم مماثلون للرواد الاستثنائيين الذين تكتظ ذواتهم بالشغف وتتأجج نفوسهم بالاهتمام التلقائي القوي المستغرق …             

          أما المبدعون فيدركون بأن اتقاد وعيهم، وشدة حماسهم، واندفاعهم، وهيمنة الأفكار عليهم؛ هي التي تجعل منهم مبدعين، فالغوص في أعماق النفس، وصَهْر وإعادة تخليق وبناء المواد الخام التي تحتويها الخافية، لا يمكن أن يتم إلا بواسطة اتقاد الوعي، وحرارة الحماسة، ولهيب الاهتمام القوي المستغرق، وقد عبَّر عن ذلك المبدع النمساوي بيتر هاندكه بقوله: ((أنا منفتحٌ بحماس على العالم، أنا من طينة الأشخاص المتحمسين، وكنت أرغب دائمًا أن أتشارك حماسي مع شخص آخر، لأنني مقتنعٌ بأن الحماسة هي أثمن ما نملك؛ أن تَشغلنا فكرةٌ ما، أن تَهزَّنا من كبوتنا، وتعيدنا إلى اليقظة، أتحمس لأفكاري، وكلما تحمَّستُ وعبَّرتُ غالبًا؛ يواجهني عدم فهم الآخر وخبثه)) فالمبدعون يفاجئون الناس بما لم يعتادوا عليه، فلا يفهمونهم، وربما سخروا منهم، وربما واجهوهم بمقاومة وعُنف، فما من رائدٍ سابقٍ لعصره، ويسير عكس التيار السائد إلا ووجه بالرفض إن الرفض التلقائي للمغاير منطقيٌّ تماما مع نفسه؛ فالناس يحكمون على المغاير بالمعايير المألوفة التي تبرمجوا بها، وبذلك يأتي الرفض تلقائيًّا  …

        كل الرواد يتصفون بالوعي الحاد، والاهتمام التلقائي القوي المستغرق، ومنهم العالم الفيلسوف وايتهد فهو مبدعٌ في مجال الرياضيات كما أنه صاحب رؤى مهمة في الحضارة والاجتماع وصاحب معارف عميقة وموسوعية، إنه رائدٌ في العلم وصاحب رؤى فلسفية عميقة وقد أهَّلته لهذه الذروة الريادية؛ قٌدرتُه الخارقة على التركيز وكونه مندفعا تلقائيًّا لما يستغرق اهتمامه. وكما وصَفَه الفيلسوف برتراند راسل في كتابه (صور من الذاكرة): بقوله ((وقُدْرته على التركيز على العمل غريبة حقًّا؛ ففي يوم صائف وكنتٌ أنزل ضيفًا عليه؛ حضر صديقنا كرومبتون دافيز فاصطحبتُه إلى الحديقة، ليلقي بالتحية إلى مضيفه، وكان وايتهد يكتب شيئًا في الرياضة، فوقفنا أمامه على بُعد لا يزيد على الياردة، وأخذنا نرْقُبه يطوي الصفحة تلو الصفحة، مغطَّاة بالرموز، دون أن يشعر بوجودنا. فلما انقضت فترةٌ ذهبنا ونحن يخامرنا شعورٌ بالهيبة نحو هذا الرجل)) بهذا الانهماك التلقائي اللذيذ، وهذا الاهتمام القوي المستغرق؛ استطاع وايتهد أن يجدد علم الرياضيات وأن يصبح من أبرز مؤسسي الرياضيات الحديثة. وبنفس الاهتمام القوي المستغرق تحوَّل عن علم الرياضيات إلى مجالات مختلفة كليا، وقَدَّم اسهامات رائدة في فلسفة الحضارة والاجتماع والتربية والإدارة والأداء وفي حقول علمية ومعرفية وعملية متنوعة، فقد كان أستاذا للرياضيات في جامعة كمبرج وجامعة لندن في بريطانيا ثم أستاذًا لفلسفة الحضارة في جامعة هارفارد في أمريكا. لقد غيَّر مجال اختصاصه بمحض تغيير اهتماماته فأبدع في الفلسفة والاجتماع والرؤى الحضارية. لقد صدر له تسعة عشر كتابًا أكثرها في المجال الفلسفي والاجتماعي والحضاري، وصدرت عنه دراسات عميقة من مفكرين كبار. وهكذا ما من إبداع، وما من إنجاز عظيم في أي مجال إلا بوعي حاد، واهتمام تلقائي قوي مستغرق فلا إبداع بالإلزام ولا بالاضطرار ولا بالتكلُّف …                     

        في مذكرات المبدع ستيفان زيفايج يصف حماسَ واندفاعَ المبدع الفرنسي أوديلون رودان بعد أن زاره في معمله: ((لقد رأيت في تلك الساعة السرَّ الخالد لكل فن عظيم؛ أجل لكل إنجاز إنساني يتجلى فيه التركيز، ومجموع القُوى كلها، والأحاسيس كلها، وتلك الحالة التي يذهل فيها كلُّ فنان عن العالم)) أما المشهد المذهل الذي رآه فيقول عنه: ((قادني الفنان الكبير إلى قاعدة آخر أعماله، وكان تمثالَ امرأة، مغطَّى بأقمشة رطبة، أزاح الأقمشة وتراجَع إلى الوراء، التقط ملعقةَ المزج، وبلمسة بارعة على الكتف مَلَّس المادة الطرية، حتى بدتْ بشرةَ امرأة حية تتنفس، تَراجَع إلى الوراء مرةً أخرى، وبعد أن أضاف تفصيلًا صغيرًا زاد التمثالَ تأثيرًا. أخذ يتقدم ويتراجع، ويصحح، وعيناه التمعتا عندئذ بأضواء غريبة، وبدا وكأنه قد أصبح أضخم جسمًا وأصغر سنًّا. واصل العمل بكل همة جسمه الضخم وقوته. كانت أرضُ الغرفة تَصرُّ كلما خطا إلى الأمام أو إلى الوراء. ولكنه لم يكن يسمع شيئًا، ولم ينتبه للشاب الواقف وراءه صامتًا، وقلبه في الحلق ابتهاجًا بالسماح له بأن يراقب هذا الفنان الفريد وهو منهمكٌ في العمل. لقد نسيني تمامًا، ولم أعد موجودًا بالنسبة إليه. فما كان يهمه هو التمثال، والعمل فقط. وراء ذلك توارت رؤيا الكمال المطلق. كان رودان مستغرقًا في عمله بحيث أن صاعقةً لم تكن لتوقظه. خطا إلى الوراء مرةً، ومرتين، وثلاث مرات، من غير أن يغيِّر شيئًا. ثم ألقى الأقمشة في رفق حول التمثال، كما يضع أحدُهم شالاً حول كتفي امرأة حبيبة. أخذ نَفَسًا عميقًا، وبعد ذلك حدث الدرسُ العظيم: خلع إزاره وارتدى معطفه مرةً أخرى، وهمَّ بالذهاب. لقد نسيني في تلك الساعة من التركيز الشديد، لم يعد يعلم أنَّ شابًّا دعاه هو نفسه إلى معمله ليريه عمله؛ قد وقف خلفه منقطع الأنفاس، ثابتًا في موضعه مثل تمثاله. سار إلى الباب ولما شرع في فتحه؛ اكتشفني وحدَّق إليَّ، وسرعان ما تذكَّر، وشعر بالخجل. ثم جاء إليَّ وقال عفوًا يا سيدي. ولكني لم أدعه يكمل بل أمسكتُ يده بامتنان. لقد رأيتُ في تلك الساعة السرَّ الخالد لكل فن عظيم، لقد تعلمتُ شيئًا رافقني طيلة حياتي)) كاتبٌ مبدعٌ؛ من أرهف المبدعين إحساسًا وأوسعهم شهرةً، وأرفعهم قدرًا؛ يصف مبدعًا آخر في مجال مختلف، وهو في حالة نشوة واستغراق، كما هي حال كبار المبدعين أثناء الحالات الإبداعية …

ولكي أزيد الموقف وضوحًا أُورد ما كتبه المبدع جبران خليل جبران عن رودين؛ فجبران مثل زيفايج زار رودين في معمله فانبهر بما شاهده وكتب: (( الفن. الفن !! هو الحياة، والحياة هو. وكل شيء يهون في سبيله. لا مجد إلا منه. ولا جمال إلا فيه. هذه هي العظمة : أن تكون كرودين؛ ممجَّدًا أو مكَرَّمًا حيث كان للفن أثرٌ من بطرسبرج إلى سدني، ومن طوكيو إلى نيويورك، وأن يُذكَر اسمك بإجلال كلما ذُكر الفن، وأن يأتيك الناس من المشارق والمغارب ليتبركوا ببعض ما باركتك به الحياة من المواهب)) فهذا أيضا مبدعٌ متعدد المواهب وذو شهرة عالمية ينبهر بفن رودين فيفيض ثناءً وتمجيدًا …

        توقُّد وعي المبدع وفوران طاقته وكثافتها وتركيزها أثناء العمل الإبداعي؛ من الظواهر المعروفة. وعلى سبيل المثال؛ فإن المبدع موبسان وصَف المبدع فلوبير أثناء الكتابة بأنه: ((كان منتفخ الأوداج، محمر الجبين، مشدود العضلات، يصارع فكرته كمصارع حقيقي إلى أن قهَرَها وقيَّدها في الصيغة المطلوبة)) إن حماس المبدع وتدفُّقه ليس اختيارًا ولكنه يندفع تلقائيًّا رغمًا عنه. وقد ينتقل الحماس منه إلى القارئ وكما يقول مُنَظِّر الفن كلايف بيل في كتابه (الفن): ((يبدو لي أن الشكل المبدَع يهزُّنا بهذا العمق لأنه يُعَبِّر عن انفعال مبدِعِه)) ويتفق ذلك مع ما أكده الناقد المعروف وليم هازلت عن والتر سكوت حيث يقول: ((إن نثره ينضح بالعاطفة والحماسة، فروايات سكوت قادرة على أن تخطب وُدَّ قلوبنا وعَظْم عظمنا ولحم لحمنا، ونحن نحس أن من واجب أي شخص أن يكون شديد السعادة وعارفًا بفضائل الجمال في هذه الروايات كما عرفنا نحن)) إن تَكَوُّن البناء الإبداعي؛ يتم في الخافية خلال وقت طويل من الوعي الحاد والاهتمام التلقائي القوي المستغرق، والتفاعل الخلاق، والتخمُّر المبلوِر؛ فإذا حان وقت التدفق الإبداعي فرَض الإبداعُ نفسَه على المبدع، وبعد تجلِّيه لا يكاد المبدع ذاته يتذكر كيف تم تكوينه أثناء عملية التفاعل والتخمر؛ فالعمل المبدَع ليس نتاج لحظة بزوغه ولكنه نتاج وقت طويل من الوعي الحاد والبناء الانتقائي والاهتمام التلقائي القوي المستغرق …

         بوعي حاد ينشغل المبدع بقضية معينة، وبعد تفاعل مكوِّنات اللاوعي؛ وبعد استمرار الاهتمام التلقائي القوي المستغرق، وبعد التكون البطيء للنتاج تصير الفكرة متحفزة للبزوغ فتُشرق فجأة. وكما قال الفيلسوف وولتر ستيس: ((إن الفِكْر لا يمكن كبته أو قهره)) فالبزوغ بعد اكتمال التكوين يندفع تلقائيًّا. وهذا هو ما عناه المبدع ديفيد هربرت لورانس حين قال عن نفسه: ((أنا قنبلة بشرية)) ويقول الفيلسوف الكبير جون ديوي: ((فالفن مستحيلٌ من دون التلقائية)) ويقول الناقد الفرنسي جاك لاسيني مؤكدًا على التلقائية: ((إن الإرادة مقتل الفن)) إن العمل المبدَع ليس نتاج ساعة الإفصاح عنه، وإنما هو ثمرة عمل كثيف، وتفكير عميق، واهتمام تلقائي قوي مستغرق؛ فإذا اكتمل التكوين في اللاوعي؛ فلابد من تركه يتدفق دون إرباك، فإذا حاول المبدع أن يتدخل إراديًّا في التدفق الإبداعي الذي هو بطبيعته تَدَفُّقٌ تلقائيٌّ؛ فإن الأداء الإبداعي يرتبك ويقول دي غورمون: ((إن الوعي يُضعف من نشاط العقل أكثر مما ينميه؛ فنحن نسيء الإصغاء إلى اللحن الموسيقي عندما نَعْلَم أننا نصغي إليه. كما أننا نسيء التفكير حين نَعْلَم أننا نفكر. إن الوعي بالتفكير ليس هو التفكير)) إن تلقائية الإنسان تقتضي أن لا نتدخل في ما هو مكتمل التكوين، فنربك فاعلياتنا بالتحديق بها وإنما نغفل عنها لتنساب تلقائيًّا كما ينساب التنفس؛ فبعد المران الطويل، والتشيع بمهارة الأداء؛ يمشي الرياضي على الحبل انسيابًا من خافيته وليس بتدبير آني. لذلك ينبِّه باسكال إلى أن تكلُّف الفضيلة يحيلها إلى عمل مصطنع فالفضيلة الحقيقية هي التي تكون سلوكًا تلقائيًّا ينساب من الأعماق. ومن هنا جاء اسم الأخلاق فالأخلاق ليست شيئًا نتَذَكَّره لكنها ممتزجة في ذات الفرد فهو معتادٌ عليها وهي ذائبةٌ فيه وتفيض عنه بشكل تلقائي …    

           رغم عظمة وتأثير الإشراقات الإبداعية التي فاضت من عقول القلة الريادية في مختلف المجالات؛  فإن هذه الإشراقات تفاجئ العبقري نفسه؛ لأنها كانت تتخلَّق في اللاوعي أثناء اهتمامه التلقائي القوي الطويل المستغرق؛ فالمعالجة الدماغية في الخافية عجيبة ومذهلة وهي تتم بتفاعل آلي مدهش؛ فنيوتن قبل اللحظة التي أشرقت في عقله نظريةُ الجاذبية لم يكن بانتظارها ولم يكن يتوقعها وإنما بزغت في ذهنه فجأة، ومع أنه قد انشغل طويلا في التفكير والاهتمام القوي المستغرق إلا أنه لم يكن يعرف أن تلك الإشراقة الكاشفة الباهرة سوف تفاجئه. ومثل ذلك يقال عن آينشتاين والإشراق الخارق بالنظرية النسبية ويقال ذلك عن الكثير من النظريات التي غيَّرت المعارف البشرية فلولا الانبثاقات التلقائية الكاشفة لما تطورت الحضارة وكما يقول العالم الشهير إروين شرجاف: ((العلماء العظماء كانوا دائمًا يوظفون خيالهم أكثر مما يستخدمون المعارف، المعرفةُ ذات طابع فني ويمكن على وجه التأكيد تحسين المناهج وأساليب العمل إلا أننا لا نستطيع التنبؤ بالتطور العلمي البحت، أنا أرى الاكتشافات المبتكرة تشبه الانفجارات غير المتوقعة)) المناهج وتقنيات البحث هي أدوات الباحثين العاديين الذين يُطلَب منهم التحقُّق من فرضية علمية، أو يكون الهدف منها ليس الكشف بل اختبار قدرة دارس على بلورة فكرة حول قضية معينة كما في معظم الأطروحات الأكاديمية. أما النظريات الكبرى فليس ممكنا الوصول إليها بطرائق البحث الرتيبة وإنما هي من نصيب القلة الريادية باهتمامها التلقائي القوي المستغرق وكما أكَّد العالم شرجاف فهؤلاء الرواد يستخدمون الخيال الخارق والمقارنات والتأمل ويقومون بعمليات معقدة من التركيب ومع ذلك لا يتوصلون إلى نظرياتهم الخارقة بطرق البحث الرتيبة وإنما بعد الاهتمام القوي المستغرق تنبثق النظرية أو يبزغ الحل بشكل مفاجئ يشبه الانبثاق أو الانفجار ….

          بينما أن عموم الباحثين والدارسين وعامة ممارسي الفنون يعملون وفق القواعد والمناهج؛ فإن الرواد هم الذين وضعوا هذه القواعد وابتكروا هذه المناهج؛ وكمثال على الريادة؛ يقول كلايف بيل في كتابه (الفن): ((إذا أمكن أن يقال إن بوسع امرئ واحد أن يُلهم عصرًا بكامله؛ يكون سيزان قد أَلهم الحركة المعاصرة. إنه واحدٌ من أولئك الأعلام الذين يسودون عصرًا، ويتعذر حصرهم في أي خانة؛ فبميسورنا أن ندرك كم ندين لسيزان في حين لا يدين سيزان لأحد)) وكما يؤكد الفيلسوف الألماني الكبير كانط فيقول: ((إن العبقرية هي الموهبة الطبيعية التي تسمح بإعطاء الفن قواعده)) فالعباقرة يضعون قواعد الفن أما الآخرون فيلتزمون بهذه القواعد. ويفصِّل كانط رؤيته عن العبقرية كما يلي:

  1. إن العبقرية تتمثل في إنتاج ما لا يمكننا تحديد قاعدة له. وذلك يعني أن جوهر العبقرية إنما يكمن في الأصالة.
  2. لا يمكن للعبقرية أن تكون وليدة المحاكاة، ذلك أن ما يَنتج عنها هو دومًا بمثابة النماذج.
  3. ليس بوسع العبقرية أن تبرهن لنا علميًّا كيف أبدعت منتوجاتها. إن المبدع هو نفسه يجهل قواعد عبقريته.
  4. ينبغي علينا أن نميز بين العالم نيوتن والشاعر هوميروس. ذلك أنه إن كان بوسع المرء أن يتعلم كل ما عرضه نيوتن في كتابه (مبادئ فلسفة الطبيعة) مهما كان اكتشاف ذلك ليقتضي من قدرة ذكاء بالغة، فإنه لن يتسنى له أبدا أن يتعلم كيف ينظم قصائد من روحه، مهما كانت جميع المصنفات حول الشعر مفصلة إن نيوتن قد استطاع أن يبرهن على نحو بين ودقيق كل لحظات علمه لكن لا هوميروس ولا فيلاند قادر على بيان كيف يستلهم أفكاره الثرية بالخيال والحبلى بالمعاني لأنه هو نفسه لا يعرف، ولا يستطيع أن يعلِّم ذلك للآخرين أيضا)) ولابد هنا من تأكيد الفرق النوعي بين الاكتشاف العلمي الذي يتم بواسطة حدس فردي خارق، وبين تَحَوُّل هذا الاكتشاف إلى معرفة مشاعة، يتمكن الدارسون من استيعابها وتداولها واستخدامها، فاكتشاف الجاذبية مثلا؛ قد تحقَّق بواسطة نيوتن ولم يكن  ذلك يخطر في أذهان الملايين من الناس في الأجيال البشرية التي تتابعت خلال التاريخ قبل ذلك، ولكن صيرورة هذه المعرفة متاحة لكل الدارسين لا يعني أنهم باتوا بمستوى نيوتن ولا أن نيوتن فَقَدَ تَفَرُّده فالاكتشافات العلمية التأسيسية قبل اكتشافها كانت بعيدة غاية البُعْد عن التصور العام إلا أنها بعد الإعلان عنها باتت تتحول بالتعلُّم إلى معرفة مبذولة ومتداولة حيث يستطيع عامة الدارسين استيعابها. وما أريد الاعتراض عليه هو أن اللغة المستعملة للتعبير عن الاكتشافات العلمية الكبرى مجحفة في حق الرواد وموهمة ومُضِرة؛ فحين يقال مثلا: اكتشف الإنسان الجاذبية فإن هذا يوهم بأن أي فرد آخر غير نيوتن كان ممكنًا أن يحل محله. وهذا التصور هو أبعد ما يكون عن الحقيقة فالأفراد الخارقون نادرون غاية الندرة، إنهم أفرادٌ استثنائيون؛ فالأصل في الإنسان عمومًا أنه كائنٌ مقلِّد ومنتظمٌ تلقائيًّا في الجاري مهما تعلَّم اضطرارًا، وأنَّ تحرُّره من طبيعته التلقائية لا يحصل بالتعلُّم اضطرارًا حتى لو حصل على أرفع الشهادات التعليمية. بل إن التحرر بمثابة إعادة التكوين. إن التفكير السائد في أية فترة يكون مضادًّا للتغيير ورافضًا بشكل تلقائي للأفكار المغايرة. فلا يصح الإيهام بغير ذلك …

تحميل الملف 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *