التقارب الثقافي الخليجي المغاربي تثاقف اليوم.. تكامل الغد

تحقيق: عبدالحق هقي*

     شهدت العلاقات الثقافية الخليجية المغاربية في الآونة الأخيرة تطورًا ملحوظًا، سواء على الجانب الرسمي المؤسسي، أو من خلال المبادرات الفردية، أو حتى على ساحات ومنصات التواصل والتفاعل الاجتماعي، ما أسهم في كسر الصورة النمطية التي ترسخت لعقود بين شعوب الخليج والمغرب العربيين، وأثرى الساحة الثقافية والمدونة الإبداعية العربية، من خلال كم من النشاطات والإصدارات المشتركة والزيارات المتبادلة، وخلق فرصًا للتبادل المعرفي والإبداعي، وهيأ لأجواء التثاقف والتكامل الثقافي، وبالرغم من ذلك الحراك اللافت فإن أسئلة عديدة تطرح نفسها من أجل تفعيله وتوسيعه، وحول هذه العلاقة تم استجواب عدد من المثقفين الخليجيين والمغاربة، وحول أبرز التساؤلات كان البحث عن الأسباب التي أسهمت في هذا الانفتاح الثقافي بين المغرب والخليج العربيين؟ وإسهام الجوائز الخليجية والملتقيات العلمية المغاربية في هذا التعارف والتثاقف؟ وعن جهود المؤسسات الثقافية الرسمية وإن كانت كافية؟ وما الذي يمكن أن تقدمه لخلق توأمات ثقافية وتفعيل الحراك المتبادل؟ كما تطرقت إلى تقييم المبادرات الفردية من قبل مثقفي الخليج والمغرب العربيين، وما الذي يمكن أن يقدمونه من إضافة نوعية في هذا الحراك؟ وعن دور مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات التفاعلية في كسر حالة الجمود بين المغرب والخليج العربيين، وهل يعول عليها في قيادة عملية التثاقف المتبادل بينهما مستقبلاً؟ كما حاولت تبيان أثر العلاقات الثنائية في تفعيل التكامل الثقافي العربي، وإن كان يمكن أن يكون لها أثرًا عكسيًا من خلال خلق تجاذبات قطرية ومناطقية؟ وختامًا عن الأفكار المقترحة لتفعيل التثاقف المغاربي الخليجي،والعربي ككل؟

يقول الشاعر الإماراتي د.طلال الجنيبي:

 المعروف بأن الانفتاح الثقافي ما بين المغرب العربي والخليج العربي يعود في المقام الأول إلى القواسم المشتركة التي تجمعهما من حيث اللغة والدين والانتماء الحضاري العربي، وهي برأيه العناصر الرئيسية المكونة للثقافة، بالإضافة إلى الانفتاح السياحي والإعلامي الذي ساهم في هذا التقارب، من جهة أخرى رأى بأن الجوائز والملتقيات الخليجية والملتقيات العلمية المغاربية كانت من أهم أسباب التقارب الثقافي مابين الخليج والمغرب العربيين، وحول تفعيل الحراك الثقافي المتبادل فباعتقاده أنه لا يمكن أن يقوم على جهود المؤسسات الثقافية الرسمية وحسب، وإنما يحتاج لجهود ومبادرات فردية تعزز وتفعل هذا الحراك، حيث أن المبادرات الفردية من قبل المثقفين من الطرفين  تعد حجر الأساس لأي جهد ثقافي فاعل، ويردف قوله بأن المثقف ومن المنطقي أن يكون مصدر الإضافة النوعية لأي حراك فكري، وحول مواقع التواصل الاجتماعي فبرأيه أنها لعبت ولا زالت تلعب دورًا محوريا في عملية التثاقف المتبادل مابين الخليج والمغرب العربيين، بسبب سهولة التواصل والاتصال، وهي مرشحة للاستمرار في لعب هذا الدور لانتشار هذه الوسائط بشكل كبير،من جهة أخرى فإنه يعتقد بأن هذه العلاقة الثنائية قادرة على تقديم نموذج للتكامل الثقافي العربي متى ما تحررت من النظرات القُطرية الضيقة، وحول تفعيل التثاقف المغربي الخليجي فإنه يرى بأنه يمر عبر بوابة الوعي بأهمية الاستفادة من خواص التقارب والتشابه لتجاوز نقاط الاختلاف والتباين، وجعلها مساحات إضافة حضارية نوعية تُسهم في خلق بيئة ثقافية تقرب المختلف وتتجاوز مواطن الخلاف.

وترى الباحثة الجزائرية سامية بوقندورة

أن قنوات التواصل الاجتماعي وخلايا الإعلام لمختلف المؤسسات الثقافية بصفة خاصة، والإعلام بصفه عامة كان سبباً رئيسًا في التلاقي والانفتاح، مؤكدةً على أن الجوائز الخليجية كمحفزات كان لها دور كبير في انفتاح المغاربة على الخليجيين، خصوصًا مع كم كبير من المشاركة المغاربية في هذه الجوائز، كما أن الملتقيات المغاربيه أسهمت بشكل أكبر في حدوث التلاقح المعرفي، فكانت هذه الملتقيات جسرًا ثقافيًا متينًا يربط بين الثقافتين، أما على مستوى المؤسسات العلمية والثقافية فإنها رأت بأنها تسعى جاهدة وبكل ما أوتيت من خطط وإعتمادات لكسب المثقف أينما كان، مشيرةً إلى أن التوأمة الثقافية في هذا الحراك المتبادل تأتي في مقدمة الأهداف التي تسعى لها تلك المراكز البحثية والثقافية، غير أنها تعقب على تلك الجهود الرسمية بأنها غير كافية لوحدها؛ لأن ما تقوم به المؤسسات الثقافية غير الحكومية من جهود كبيرة جداً (خاصه المغاربية منها) يُؤسس لهذا الطرح الثقافي ويبني صرح هذه التوأمة الثقافية في الواقع،وتعمل على إثراء الساحة الثقافية والاجتماعية بكثير من صور المثاقفة وبطريقة متقدمة ومتطورة أدهشت حتى المؤسسات الرسمية، فكانت أنموذجا مؤسساتيًا لصنع هذا الحراك الثقافي بين الشرق والغرب داخل وطننا العربي، مشيرةً إلى دور المهرجانات والمسابقات الدولية كشاعر العرب، شاعر الرسول، مهرجان جرش، عكاظ بالمملكة العربية السعودية، والمربد بالعراق في إشراك المثقف المغاربي خصوصًا الشعراء، وما فوز موريتانيا بشاعر العرب مرتين إلاّ دليل على ذلك، علاوةً على تأهل الكثير من المغاربة إلى الأدوار النهائية،وعطفًا على كلامها بخصوص دور المؤسسات الأهلية والمثقف في هذا التواصل الثقافي فإنها تعول عليه الآن ومستقبلاً، فتلك القنوات التواصلية قربت المسافات وأسهمت في صناعه الثقافة، وإذابة الجليد بين المغرب والخليج العربيين، لافتةً إلى وجوب الانتباه إلى بعض مثالب مواقع التواصل الاجتماعي، فبرأيها أسهمت في خلط الغث بالسمين والسيئ بالرديء، وحول دور هذه الشراكات الثقافية الثنائية في مسار التكامل العربي، فإنها لم تخف قلقها من التجاذبات القُطرية والمناطقية في آن واحد؛ لكون الثقافة لصيقةً دائما بالتضاريس والعادات والتقاليد، ولا يمكن لنص أن يُكتب خارج بيئته لأنها حبره وأدواته، وحول مستقبل العلاقات الثقافية الخليجية المغاربية وتفعيلها فترى ضرورة أن تكون هناك مؤسسات ومراكز بحث مشتركة تصدر مطبوعات وأبحاث، وتنظم ملتقيات بهدف تبادل الثقافات والخبرات والتجارب المعرفية والثقافية، ما يوسع وينمي ويقوي أواصر القربى بين الخليجيين والمغاربة والعرب بصفة عامة.

بينما يرى الشاعر والقاص السعودي عبدالقادر سفر الغامدي

 أن هناك عوامل متعددة تُسهم في تفعيل هذه الشراكة، لعل أهمها الانفتاح المعرفي والثقافي عبر وسائل التواصل، والتي مهدت للتقارب بين المشرق والمغرب العربيين، مؤكدًا على أن الجوائز والملتقيات العلمية والفعاليات الثقافية المختلفة بلا شك كانت أقطاب جذب وتثاقف متبادل بين الإخوة العرب عامة، والخليجيين والمغاربة خاصة، مشيرًا إلى أن جهود المؤسسات الثقافية الرسمية ليست كافية، حيث يتطلع المثقفون في المشرق والمغرب إلى مزيد من دفع حركة التثاقف المتبادل، بعيدًا عن إجراءات الروتين القاتلة التي قد تدخل المثقف في دهاليز الرسمية، منوهًا إلى أن تلك المؤسسات إذا ما أرادت أن توجد حراكًا متبادلاً فعليها أن تبسّط أولاً الإجراءات الإدارية المحبطة أحيانًا للمثقف الذي يمتلك رؤيته الفاعلة تجاه هذا التقارب، ومن ثم تحفيز المثقفين فرادى أو مجموعات معنويًا وماديًا، وعن تقييمه للمبادرات الفردية فينطلق في تقييمه بناء على تجربة رائدة خاضها، حيث كان رئيسًا لأضخم وفد سعودي ينطلق خارج الوطن في العام 2017 إلى العاصمة المغربية الرباط ، مؤكدًا على أن هذه المبادرات الفردية قد تجاوزت جهود المؤسسات الرسمية كمًا ونوعًا وهي تعبر عن وجود فعل وتفاعل ثقافي جاد يمكن للمثقف العربي القيام به إحساسًا منه بالمسؤولية الفكرية المتبادلة، من جهة أخرى عضد القول القائل بأن شبكات التواصل الاجتماعي قد أسهمت في هذا الانفتاح والفعل الثقافي الخليجي المغاربي، بل يجزم بأنها هي من سيتسلم ذروة القيادة للعملية الثقافية مستقبلاً، كاسرةً كل الأطر والحواجز النمطية غير المجدية بشكل مؤثر، ويتطلب ذلك الانفتاح الثنائي حسبه ضرورة الوعي والمسؤولية لعدم انحرافه نحو التجاذبات القُطرية والأقليمية،مشددًا على أن اختلاف ارتفاع منسوب الوعي للفرد والمؤسسات من حيث المنطلقات والأهداف والرؤى سواء لدى الفرد أو المؤسسات من سيحدد ذلك، خاتمًا كلامه بتفاؤله بمستقبل العلاقات الثقافية العربية، مقترحًا عددًا من الأفكار والمشاريع لعل أهمها:تنظيم دورات تثاقف بين الجانبين بشكل دوري، التحفيز الرسمي من قبل المؤسسات الثقافية الرسمية، الدعم المادي لمثل هذه التقاربات،وإيجاد المرجعية البحثية الأكاديمية التي تختص بالنشر لكل ما تنتجه مثل هذه التجمعات.

وتعقب الشاعرة الجزائرية لطيفة حساني

إن من أهم الأسباب التي أسهمت في الانفتاح الثقافي بين الخليج والمغرب العربيين هو المثقف في حد ذاته، فالمثقف يدرك تمامًا أنه سفير للحب والسلام، وأن كل من يحب شيئًا يسعى جاهدًا لانتشاره، لافتةً إلى أن من أجمل الأشياء الإبداع والثقافة، حيث من خلالهما يغوص الإنسان داخله ليكتشف من خلاله الجمال والإنسان، مشيرة إلى أن الجوائز الخليجية والملتقيات العلمية المغاربية أسهمت في التعارف والتثاقف، فهي بالنسبة للمثقف فرصة للالتقاء بأدباء وشعراء ومثقفين حقيقيين،واكتساب أخوة وصداقة من يحملون ذات القلق والانشغالات، مثمنةً دور الجوائز فحسبها هي تثمين لجهد الكاتب وتشجيع له لتقديم الأجمل، ورغم تأكيدها بأن جهود المؤسسات الرسمية تغطي الكثير في هذا الجانب، إلاّ أنها تدعو المبدع أن يكون أكثر فاعلية في المجال الثقافي، ويخلق حراكًا يُسهم في دفع الجمهور العادي ليكون أكثر اهتمامًا بالأدب، مؤكدةً على أن تلك الجهود التي يبذلها المثقف العربي اليوم بالتأكيد تحقق أشياء مهمة، لكن كلما تكاثفت الجهود كان العمل ناجحًا ومستمرًا، وعلى تحفظها عن توافد الكثير من الناس الطبيعيين الذين يكتبون بلا موهبة في مواقع التواصل الاجتماعي، فإنها ترى بأن لها دورًا بارزًا في إبراز الكثير من الكتاب الجادين الذين يتم اكتشافهم وتشجيعهم من كتاب كبار وجهات حاضنة للثقافة، قائلةً أن شبكة المعلومات الدولية (إنترنت) في حد ذاتها قد ساهمت في إلغاء الحدود، حيث صار العالم كقرية صغيرة كل يجد ما يبحث عنه، وأسهمت في كسب المهارات والمعارف، مشيدةً في الأخير بهذه العلاقات الثنائية التي تسعى للتثاقف والتبادل المعرفي، انطلاقا من كون دورالثقافة هو رفع مستوى الإنسان وتجاوزه للرجعية وتحجر الفكر، كما أن المثقف يستطيع بإخلاصه وتفانيه في خدمة الثقافة التأثير على المجتمع.

*كاتب جزائري

2 thoughts on “التقارب الثقافي الخليجي المغاربي تثاقف اليوم.. تكامل الغد

  1. مقالات رائعة رصدت نقاط التلاقي والتثاقف بين المغرب العربي والمشرق العربي وخاصة الخليج العربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *