الطريق إلى بلحارث وروايات أخرى

د. عبدالعزيز الطلحي*

رواية الذات الفلسطينية أو العربية المهاجرة إلى وطننا ، كنت قرأتُها بعد قراءتي ثلاث  روايات كتبها وافدون عرب للعمل بين ظهرانينا ، وكنت أبحث عنّا في سطور هذه الروايات وكيف نبدو في عيون عربية تقصُ مرحلة من مراحل تطورنا وحداثتنا وانتقالنا من الأمية إلى التعليم الذي كان أكثر عوامل التغيير في مجتمعنا .. 
كما كان سبيلا إلى حياة أقل جوعا وشطفا ومرضا وموتا بعلل واهية كالملاريا والسل .. فهاجرت أفئدة قراها ومنازلها نحو التعليم الذي لمّا يكتمل تواجده في المناطق المختلفة إلا في العقدين الأخيرين منا تاريخ توحيد المملكة .

ويبدو أن صورتنا الأولى في عيون العرب التي لا تتجاوز أننا  شيء من مخلفات التاريخ والجهل الذي أطبق على الجزيرة قرونا عديدة ما زالت باقية تبدو في السرد كما تبدو في الإعلام والأفلام !
وإذا تجاوزتْ التاريخ بعين انثربولوجية لتتأمل هذا المجتمع القبلي وعاداته وفلكلوره ألفته  تماما مجتمعا بدائيا وأسطوريا تتحكم فيه طقوسه الدينية والقبلية وصراع النفوذ والمصالح  الداخلي في كل قبيلة أو بين قبيلة وأخرى باستحضار شيخ القبيلة المستبد الفاسد و بطانته دون الولوج إلى القيم الفردية الإيجابية أوالسلبية في الأفراد أو الجماعة ذكورا وإناثا  ، وتحليل ذلك حاجيا بإنصاف أو على الأقل بوصفه موجودا على صفة وبلغة محايدة تسمح للقاريء أن يطرح العلل أو يكتشف التفسير والعلاقات بنائيا ..
هذا الوجود القبلِي  لم يستحضره السرد العربي  إلا ليدلف منه إلى النفط والريالات التي نزلت من السماء فأخطأت مكان نزولها لتقع بين يدي  بدو وأعراب وجهلة لا يستحقونها ..

المعاني الإنسانية التي تناولتها هذه الروايات الأربع لم تلتفت إلى إنسان هذه الأرض باعتباره متشبثا بوجود ومنغرسا في طين هذه الأرض الجاف .. يكافح لا ليعيش فحسب وإنما لتعيش هذه الأرض ، لم تلتفت لإنسان هذه الأرض يصنع وجوده ولغته وتجربته من قطرة ماء موسمي يحتفل به وينتجع حوله ، أو من ظل أنثى تحيط نفسها بقيم ويحوطها عاشقها بقيم فيسكِنها النخل والشجر والزهر والثمر والقارب والبحر ، فتستحيل وجودا عامرا في الوجود ، تؤنسنه وتُخبأ فيه ، أدنى للعين والأذن ، وأبعد عن العيب والرقيب !
لم تلتفت لحكايات إريكيلوجيا القيم والعادات التي وسم بها إنسان هذه الأرض وجوده تماما كما وسمته الأرض بها .

الروايات الثلاث التي قرأتها قبل (الطريق إلى بلحارث لجمال ناجي)  هي : (البلدة الأخرى لإبراهيم عبد المجيد ، وبراري الحُمّى لإبراهيم نصر الله ، ونجران تحت الصفر  ليحيى خلف)
و لعل رواية (الطريق إلى بلحارث) أكثرها تأثرا بقيم المكان من حيث إن حالتي الحب فيها مدرجة بحرفية تُبقي إحداهما(عماد ونادية) في عمّان كأي حالة حب ووفاق لا تثمر لقاء دائما مع احتمال وقوعه من حيث التوافق الاجتماعي بين قطبيه والمحيطين بهما ، و تُنهي  أُخراهما حالة (ظفرة ومنصور) العابرة بالموت الذي يحول دون ظفر عاشقها بها .

رواية جمال ناجي  التي تقع في طبعة (1982) في (111) صفحة ليست طويلة رواية إنسانية بامتياز ،غايتها (الغُربة) وغربة منصور وموته تحديدا الذي أطلّ مع ألواح الثلج منحدرة من (بلجرشي) يشيعها غرباء كما ستشيع ويشيعون جثة منصور الذي أودت به حُمى الغربة ، دون تحقيق أمله .. وليموت كما مات (فجر) الطفل الذي ولد ودفن غريبا من أبوين غريبين يرجوان من غربتهما حياة أفضل ..
الرواية قصيرة ذات طابع طولي يبدأ من جدة وينتهي في الباحة لم يُرِد له السارد أن يكون كاشفا للمكان الذي غابت تفاصيله إلا من قليل ماء بحر ورمال براري وظلام دامس لا قمر فيه ونجومه باهتة لا يكاد يستدل بها الساري طريقه إلى (القنفذة) .
المشهدان الوحيدان الذين يعلقان بذهن القاريء هما مشهد الطريق إلى بلحارث وهو عنوان الرواية ، ومشهد طريق المطر إليها من أعالي السراة .
طريق السارد وصحبه إلى بلحارث كان طريقه هو وأقرانه (منصور وعلي وزوجته)  كان ظرفا مكانيا لضجرهم و لنفورهم من فقرهم  وغربتهم النفسيةوالمكانية .

لفّ الظلام الطريق كما لفتهم الغربة ، ولأنهم بعيدون جدا وفي العمق من تهامة جنوبا كان البحر توقهم للنفور من الغربة كما كان دليلهم  أنهم يمضون في الطريق الصحيح .

كان وصف مشهد المطر القادم من الأصدار إلى أودية وشعاب بلحارث جيدا في الرواية لولا أنه اقتصر على ما وقع على بلحارث وما عبر منها دون أن يعرج على أنه قادم من أعالي السراة منتهيا في البحر الذي نشأ منه ، وأجمل ما فيه علاقة (عماد) الرواي بالمطر ومكوثه تحت وبله منتشيا في لحظة لا تتكرر كثيرا في بيئة لمطرها موسمه الزماني و طريقه الذي لايجيء من غيره .

قرأتُ الرواية (الطريق إلى بلحارث) التي لم يحضر فيها الطالب ولا المعلمون الآخرون بتاتا  وحضر  مدير المدرسة بشكل عارض لا يكشف عن مرحلة تعليمية .. وما كان لهم ولا لشخوص آخرين رجالا أو نساء أن يحضروا والكاتب قد اختار الموت مدخلا لروايته فلن يهب الحياة مساحة أكبر من المرور العابر لسوق الثلاثاء و مرتاديه من الرجال ومن النساء بما لايلامس جيدا الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي يكشفها تنوع سوق أسبوعي يتلاقي فيه فئام من الناس و حاجياتهم وبضائعهم .

قرأتُ الرواية التي بدا لي أنها لم تعن غير صاحبها وأنها تدوين لزمن غربة عابرة في مكان عابر ، ولم تهدف إلى أن تكون غير خطاب مغترب لنفسه لا لمن كانت غربته بينهم .

ختاما قرأتُ هذه الروايات ولستُ أنفي منها ما ورد فيها من إشارات لعلاقة الرجل بالمرأة ، أو للعلاقات الأخرى الاجتماعية والاقتصادية وصراع النفوذ في البؤر الصغرى للمجتمع في القبيلة أو الأسرة ، مما أغضب بعض القراء والمثقفين وخصوصا قاطني أمكنة السرد ذاتها ، وإن كانت الطريق إلى بلحارث احتاجت أن تكون بما هي عليه لأنها لم تقصد إلى مجتمع المكان السردي ، قدر حاجتها إلى مكان لسرد الغربة وغربة الموت تحديدا التي لن تلتفت إلى سواها إلا بما يجعل السرد مستمرا لا متوقفا عند قاطني المكان بما هم ذوو مناخ سردي مستهدف تماما كما توقفت ( ظفرة ) عند جثة (منصور)  .

* أكاديمي وقاص وناقد سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *