تساؤلات على ضفاف الهوية

بقلم: أحمد الشمراني

استوقفني مقال لمستشار خادم الحرمين الشريفين أمير منطقة مكة المكرمة الأمير خالد الفيصل عندما زار الطائف المأنوس عنونه بـ(نشوة مواطن وعشق وطن) دون في الجزء الأخير من المقال بعد نقاش دار بينه وبين شاب سعودي بأحد المجمعات الكبيرة بالمدينة ما نصه : ” وعدت من الجولة و أنا أفكر في هويتنا .. استعدت مظاهر الناس في شوارعنا ومتاجرنا ومطاعمنا ومدرجات كرة القدم والأهم من هذا وذاك في مدارسنا وجامعاتنا ..” إلى أن قال “..هل ننشد التطوير أم التغيير فقط ؟ وهل كل تغيير تطوير؟ وهل تحديث التعليم والإدارة والصناعة وغيرها يعني تغيير الملبس والمبدأ والمعتقد؟ ” ..

تساؤلات أطلقها سموه لتعمل في نفسي وتستفز تفكيري وتجعلني أتساءل أيضا .. هل أصبحنا حقا نتجه – بإرادتنا – إلى أن نخلع عباءتنا الأصيلة ونستبدلها برداء آخر نعتقد أنه أكثر نضارة وصوابا ؟ أم أننا جرفنا – على حين غفلة – ونحن غير مدركين إلى أن نستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ أم أن هذه القضية لا تشكل اهتماما لنا ونتعامل معها بلا مبالاة وقد رهنا مصيرنا الفكري وهويتنا لتتشكل بأيدي غيرنا سواء كانت رياح الشرق أم أعاصير الغرب ؟

الحيرة هي من سادت في هذا الموقف أثناء محاولتي الإجابة على هذه التساؤلات …

• ركائز الهوية:
الهوية الثقافية لأي مجتمع كان ترتكز على ثلاث معرفات تشكل المظهر الخارجي والصورة النمطية للأمم و الحضارات(التاريخ واللغة والدين) وإذا حاولنا إسقاط هذا الثالوث على مجتمعنا لنبرز معالم الهوية التي من المفترض أن تشكل صورتنا الخارجية، أمام الأمم الأخرى لوجدنا الآتي:
أما التاريخ فهو ذاكرة الأمم، به تعي ماضيها، وتُفسر حاضرها، وتستشرف مستقبلها، وإذا نظرنا بعين المتفحص لتاريخنا المجيد لوجدنا أنه يزخر بمعالم الحضارة التي نشرناها لسنين وكنا منارة وقبلة للعالمين، ملكنا أوسع بقعة جغرافية وأحييناها بالعلم والحضارة وزرعنا التسامح والرحمة والمودة، ونبغ منا علماء أفذاذ في مختلف العلوم، وقادة عظماء في شتى الميادين، حتى ملكنا الأمر كله بحقه وأدينا واجبه على مدى عصور وأزمان..
نملك تاريخا يصعب على بقية الأمم مجاراته أو إعادة إصداره.. أفلا يستحق منا الالتفاتة والاهتمام والتصدير؟!!
وأما اللغة فهي الوعاء الأساسي الذي يحوي إصدارات الشعوب العلمية والثقافية والتكنولوجية، فكلما استطاعت أمة أن تحافظ على لغتها فستكون قطعا من أكثر الأمم تقدما وازدهارا.. أذكر هنا دولة فنلندا بلد النوكيا وصاحبة الخمسة ملايين نسمة الذين لا يتكلمون إلا الفنلندية ولا يتعاملون ويعلمون أولادهم من نعومة أظافرهم وحتى مستويات دراساتهم العليا إلا بها، ويذكرعنهم تعصبهم الشديد للغتهم وتجد كل إصداراتهم وحضارتهم لا تكون إلا بهذه اللغة التي لا يتكلم بها في العالم سواهم ومع هذا وصلوا بمنتجاتهم لأقطار المعمورة.
نحن العرب نملك لغة عظيمة ذات سحروبيان، من أكثر اللغات جزالة في الألفاظ وقدرة على استيعاب المعاني الجليلة ولها مميزات لا تجدها في غيرها من الفصاحة والترادف وكثرة المصطلحات وغزارة الكلمات.. جمال لمتذوقها وثراء لمن يبحث فيها.. يكفيها شرفا أن خصها الله وأهلها بأن أنزل القرآن بها    (…وهذا لسان عربي مبين)
أفلا تستحق أن نعيرها أولويتنا؟ وأن نفاخر بها ونغوص في بحارها لتصدير جواهرها ودررها؟!

وأما الدين فأكرم الله أمتنا بالإسلام الذي هو الجمال كله والحق كله والسلام كله والرحمة كلها، دين العقلاء والوسطاء.. لا تجد فيه ثلمة ولا يغشاه نقص وما عداه كما أخبر ربنا فهو باطل (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه)
ألا يستحق منا العناية والدراية وشكر النعمة ؟!!

إذا -أيها القارئ الكريم- نملك تاريخا ناصعا، ولغة بليغة عظيمة، ودينا كاملا.. ثالوث الحضارة والسيادة ملكناه، مما يجعلنا نعتز بهويتنا ونتمثلها وتخولنا بأن نكون في المقدمة دائما لا في الساقة.
يتوجب على المثقفين وأصحاب الكلمة أن يوجهوا أقلامهم وينادوا بأصواتهم من منابرهم الإعلامية والثقافية لتكون هويتنا الحقيقية هي النابعة من داخلنا ومن تراثنا ومن ثقافتنا.
لا أنادي هنا بالانكفاء والانغلاق على ذواتنا ولا بالتقليل من الأمم الأخرى وحضاراتهم، لم أذهب إلى هذا أبدا، بل أدعو إلى الانفتاح على الآخر وإلى الاستفادة وتبادل التجارب والخبرات بما يخدم الإنسانية كافة وأدعو إلى التعايش مع الثقافات والأديان بالحب والسلام والوئام، وأدعو إلى نظرة معاصرة للحياة، ولكن مع حفاظنا على أصالتنا و هويتنا الثقافية والوطنية.
ولنا من قصة الغراب عندما عزم على محاكاة مشية الحمامة خير عبرة .

 

13 thoughts on “تساؤلات على ضفاف الهوية

  1. شكرا لمروركم جميعًا ، ولتعقيباتكم المحفزة والدافعة للمزيد ..
    ممتن لكل القراءة و المعلقين 🌹

  2. حق لنا أن نفخر ونفاخر بأمثالك أيها الهمام ، فقد وضعت يدك على الجرح ، شاب غيور على دينه ووطنه ، وأخشى ما أخشاه أن نكون مثل الغراب الذي أراد أن يقلد مِشية الحمامة فلم يستطع وأضاع مشيته .
    ليت كل الشباب له نفس العقلية لناحفظ على الهوية

  3. أبحرت في اعماق حديثك الذي لا يمل ما اجمل الاعتزاز بالهوية التي تنقلنا بكل تفاصيلها الى العالم الاخر وكلنا فخر مع الاستفاده بما وصل اليه الآخرين
    شكرا ابا علي على اهتمامك مزيدا من النجاح 👏🏻…..🖋

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *