الفلسفة في القرآن

 

بقلم: خالد الوحيمد

منذ العصور الأولى لا يزال الإنسان يجهل ذاته ولا يفكر بشيء من هذا القبيل، حتى تحوّل إلى كائن يبحث عن مصلحته وكيف يعيش وكيف يشاء، ولكن الذات مهملة، وهنا نتحدث عن أعماق الذات الجدلية، الذات والذات الآخر.

ماذا يعني الآخر: هو كل كائن يعيش في هذا الوجود، أنا موجود وغيري موجود، إذ أفكر به لماذا هو موجود وهل هو يشعر بوجوده أو بذاته، يجب أن أشعر أنا بوجود الآخر. وهنا تكمن الإنسانية إذا فكرت ملياً بهذا الآخر، فالحوار لا يكفي معه ولكن التركيز على وجود ذاته، فهو إذاً واجب الوجود بالنسبة إليَّ.

حتى لو رحلت عن هذا العالم فأنا واجب الوجود في العالم الآخر.
عدميتي لا تكون مطلقة، بل هناك جزء من الوجود، إذاً أنا موجود في كل الأحوال. ورؤيتي تلك تدعمها الأديان السماوية.

كيف كان وجودي في العالم الآخر وأنا لا أملك جسد سوى النفس؟!، وهنا تكمن في الآية الكريمة: }يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30…{ ، فهذا الجواب الشفاف يجيب على أسئلتنا الميتافيزيقية، وهو ما وراء النفس الجدلية أو الذات الشبه وجودية. فالنفس في العالم الآخر موجودة بذاتها ولكن تسبح بعالم الجدل وهو الوجود الجزئي.

ولكن نرجع لجدلية النفس وما وراءها في الوقت الحالي أي وجودنا الدنيوي، هل هناك عبارات تثبت جدليتها وإرهاصاتها؟ جوابنا يكمن في الأحلام فالإنسان حين يحلم في منامه موجود كنفس أما كجسد فهو نائم أي شبه ميت. وهذه النفس في المنام تستلذ بشعورها الذاتي دون الجسد وهو انفصال مؤقت لحين يصحو ذلك الجسد.
أليس هذا إثبات على وجود النفس بحالة استقلالية، إذاً النفس بعد الموت باقية وتستمر بعالمها الآخر دون انقطاع إلا بحالة واحدة كون العالم الآخر له عدمية ثم وجود لأن أصل العدم الوجود وأصل الوجود العدم.
والواحد الذي لا يتغير هو صانع الأكوان المتغيرة، وهو صمد أحد لا يفنى؛ كامل الوجود وواجب الوجود بكماله فاطر السموات والأرض، والمقصود بالسماء هنا العلو، وهو أعلى من هذا العلو لا يتغير ولا يتبدد.
وهذه النفس تسبحُ في فضاءٍ واسعَ التكوين لا مثيل له في هذا الوجود، ولكن لنتخيله وندخل في عالم الميتافيزيقا ونتساءل عن أصل النفس هل يكمن في العدم؟ أم أن النفس هي الوجود المطلق الذي يأخذنا إلى عالم آخر كما تشير الآية الكريمة ( قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ) والرقود هنا؛ العالم الآخر وهو الثبات على حالة جزئية من النفس وبعد هذا البعث أدركت النفس ذاتها الواعية والكاملة من غير جسد ولا جسم.

وثمة سؤال عن عالم الروح إذ تذكر الآية الكريمة (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) ليس هناك جواب مفصل للروح ولكن الروح عبارة عن حركة ديالكتيكية جدلية، بدأ تكوينها الأولي مع لحظة تكوين الجنين، فالحيوان المنوي صنع الحركة الجدلية مع اتحاده بالبويضة وهنا تم اتحاد الروح مع الجسيم العضوي البسيط ومع اكتماله أُودعت النفس، برغم أنها كانت خارج هذه الجدلية تسبح في فضاءٍ واسع.

والروح أتت من أمر ربها عندما نجح حيوان واحد من بد الملايين منها؛ أن يخترق عالمه الخاص به وهي بويضة الأنثى؛ إذ تشكل أول تكوين. أنه عالم دقيق جاء حدوثه من أمر الخالق. هذا جوابنا عن الروح باختصار شديد.

ونأتي إلى الوجود سواء وجود الروح أو النفس أو الإنسان، والوجود يطلق على كل ما هو موجود. وكما قال يوسف كرم( أن الأصل في الوجود الوحدة والحق والخير والجمال ). وهذه الصفات تتعلق بالخالق وحده وهو جوهر الجواهر لكل الوجود، إذ هو الوجود المطلق.
أو كما عبر عنها النبي داود: ( نور وجهك مرتسم علينا يا رب ) المزمور الرابع، الآية السابعة.
الوحدة تتعلق بالإله الواحد القهار وهو واحد لا أصل له ولا شريك ولا مثيل ولا يوجد له عدم، سرمدي ليس له بداية ولا يحده زمان مستقل بذاته وجوهره، وهو حق وحقيقة مطلقة كاملة الحق، وهو إله الخير؛ إذ لا وجود لشر يحدوه، إنما هو خيرٌ مطلق، وكماله في جماله؛ إذ أبدع في خلق الطبيعة.

كل شيء موجود من وجوده وكل عدم هو معدوم من أمره وبهذا تصح مقولة هرقليطس أن أي شيء فهو موجود وغير موجود في نفس الوقت. بهذا أراد للوجود عدم وللعدم وجود.
ونأتي لقول بارمنيدس ( الوجود موجود، فلا يحدث عنه وجود ) وهو قول مشابه لقول هرقليطس. وهو يعني أن الوجود موجود بالقوة وهذا القول صحيح، إذ هو القوي المبين.

لكن الصوفية ذهبوا أوسع من ذلك في فلسفتهم وهو موجود في كل الوجود وهي لحظة التجلي وهذا تمييز مطلق في العقل وجدليته، إذ أرادوا له الظهور المطلق في كل الوجود. وقولهم هذا بصحيح العبارة؛ هو الكمال المطلق وحيز الوجود لا مجال لحدوده في هذا الفضاء الواسع.

وإن ذهبنا بنظرية تعدد الأكوان ندرك أنه هو الواحد وإن الأكوان بقبضته، كما أسلفنا لا مجال لحدود الخالق.

والمتصوفة بقولهم ظاهر بكل الوجود لا يعني أنه موجود في الذرات الصغيرة كما فهمه البعض خاصة من فقهاء السلفيين. وإنما وجوده خارج الصيرورة. إذا كان الكون لا حدود له؛ فكيف في الخالق وهو المتجلي بكل الوجود، أي كل كون هو بذاته. وسع كرسيه السماوات والأرض، أي شمل وجوده جميع الأكوان. وعلى هذا كل كون له سماء. برغم أن كلمة سماء تطلق على الشيء المرتفع، ليست السماء موجودة كمادة وإنما كبعد وهي أبعاد متعددة بذاتها الظاهرية.

وإلى الآن العلم لم يكتشف كونا مثل كوننا هذا، وعلى الأرجح هناك أكوان وأوتار متعددة. وكلما جاء العلم بشيء جديد أدركنا أكثر أن هناك إلها واحدا للأكوان. إذ لا يمكن لكل كون إله، فهذا مخالف للسنن الكونية والميتافيزيقية.

One thought on “الفلسفة في القرآن

  1. تأمل وتدبر جميل…
    اعتراضي على العنوان لسببين:
    الفلسفة ليست من علوم القرآن التسعة، بل علم التفسير هو البديل اللفظي لها، و لا يكون التدبر إلا بالمأثور والرأي، اللذان لهما شروطهما وضوابطهما الشرعية.
    ففي الإرث الإسلامي التفسير هو علم مرتبط بالقرآن، في حين بعض العلوم البشرية كالإدب يمكن أن تسمى فلسفة.
    يقول عالمنا وشيخنا محمد صالح المنجد:
    لا ينبغي أن يخرج التدبر عن حدود الفهم الصحيح للقرآن وفق التفاسير ، و لا يسمى التدبر تأملاً فلسفياً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *